تحتل فرنسا مكانة استثنائية وفريدة على الخريطة الأوروبية والعالمية في مجال اعتمادها المفرط والريادي على المفاعلات النووية السلمية لتأمين احتياجاتها من الطاقة الكهربائية. وتُظهر بيانات «شركة كهرباء فرنسا» ومكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات» أن الطاقة النووية تشكل نحو 67.3 في المائة من مجمل الكهرباء المنتجة محلياً، في الوقت الذي تتراجع فيه هذه النسبة بشكل حاد في دول كبرى مثل بريطانيا لتصل إلى 14 في المائة، وتنعدم كلياً في دول أخرى كألمانيا التي أغلقت مفاعلاتها نهائياً عام 2023. ولم تكتفِ باريس بهذه الهيمنة القارية التي تجعلها تنتج وحدها أكثر من نصف إجمالي الكهرباء النووية في الاتحاد الأوروبي، بل وضعت خارطة طريق عشرية طموحة للفترة (2026-2035) تتضمن بناء ستة مفاعلات جديدة من الجيل المتطور «EPR2».
وتستهدف الاستراتيجية الفرنسية الجديدة تعزيز الاستقلال الطاقوي وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري كالنفط والغاز بالتوازي مع استثمارات الطاقة المتجددة، فضلاً عن فتح آفاق استثمارية ضخمة لشركاتها التقنية والصناعية إقليمياً وعالمياً. وقد تلقت هذه الصناعة دفعة سياسية وقانونية كبرى عندما نجحت الدبلوماسية الفرنسية صيف عام 2022 في انتزاع اعتراف أوروبي يصنف الطاقة النووية ضمن فئة «الطاقة النظيفة»، مما أتاح لها الحصول على تمويلات أوروبية ضخمة؛ شريطة الالتزام بمعايير صارمة تشمل الأمن النووي، ومعالجة النفايات، وتفكيك المحطات القديمة، وحماية البيئة، واستخدام أفضل التكنولوجيات المتاحة.
غير أن الطموحات النووية الفرنسية تصطدم أحياناً ببيئة العمل الطبيعية والتقلبات المناخية، كما تجسد مؤخراً في الحادثة العرضية بمحطة غرافيلين للطاقة النووية شمال البلاد، حيث اضطرت مجموعة كهرباء فرنسا إلى وقف تشغيل ثلاثة مفاعلات حيوية بشكل مؤقت، إثر تعرض مضخات التبريد لعملية انسداد جماعي ناتجة عن هجوم غير متوقع لسرب هائل من قناديل البحر. وتؤكد هذه الواقعة المستجدة أن استمرارية هذا القطاع الحيوي واستقلاليته لا تعتمد فقط على الخطط الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة، بل تبقى رهينة للتحديات البيئية والمناخية الطارئة التي تواجه البنى التحتية للمفاعلات.