لأكثر من سبعة عقود، تجاوز الملف النووي الإيراني الإطار الفني المتعلق بأجهزة الطرد المركزي والانشطار الذري ليكرّس نفسه كمرآة عاكسة لتقلبات التحالفات الدولية وثورات الشرق الأوسط، بل وأساساً لحروب الظل بين القوى العظمى التي بدأت بمباركة أمريكية في خمسينيات القرن الماضي وتحولت إلى أزمة عدم انتشار تهدد القرن الحادي عشر.
ترجع جذور هذه المعضلة إلى عام 1957 حين أطلق الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور برنامج "الذرة من أجل السلام" لنشر التكنولوجيا المدنية تحصيناً لحلفاء واشنطن في وجه النفوذ السوفيتي. واستفاد شاه إيران محمد رضا بهلوي من هذا التوجه عبر توقيع اتفاقية تعاون سلمي وتسليمه مفاعل أبحاث ووقوداً عالي التخصيب، وصولاً إلى تخطيطه في السبعينيات لبناء عشرين مفاعلاً نووياً لتوليد الكهرباء بتعاون مع شركات غربية في بوشهر وغيرها، في حقبة خلت تماماً من أي هواجس أمنية دولية.
تغير هذا المشهد جذرياً مع اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979 حين أوقف روح الله الخميني البرنامج مؤقتاً، قبل أن تُعيد حرب الخليج الأولى واستخدام النظام العراقي للأسلحة الكيميائية صياغة العقيدة الأمنية للمرشد الأعلى علي خامنئي والنخبة العسكرية على أساس أن الضعف الاستراتيجي يعني الفناء. وخلال التسعينيات، أحيَت طهران برنامجها سراً بالاستعانة بشبكة عبد القدير خان الباكستانية للحصول على تصميمات أجهزة طرد مركزي من طراز (P1) وبناء منشآت محصنة في نطنز وآراك بعيداً عن أعين الأقمار الصناعية.
تكشفت هذه الأنشطة عام 2002 حين أعلن المعارض الإيراني علي رضا جعفار زاده عن المنشأتين السريتين، مما أدخل طهران في دوامة من العقوبات الدولية، وحروب سيبرانية تمثلت في فيروس "ستاكسنت"، واغتيالات لعلماء ذرة، وتلويحات بضربات عسكرية إسرائيلية مشابهة لسيناريوهات العراق وسوريا. وتوجت هذه المرحلة العاصفة بتوقيع "خطة العمل الشاملة المشتركة" في صيف 2015 التي التزمت بموجبها طهران بتجميد التخصيب دون 3.67 بالمئة مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية.
لم يصمد ذلك الاتفاق طويلاً عقب انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه عام 2018 وفرض أقصى عقوبات، وهو ما قابله النظام الإيراني بتخلي تدريجي عن التزاماته عبر رفع نسب التخصيب إلى 60 بالمئة، واستخدام طرازات متطورة من أجهزة الطرد (IR-6 وIR-8)، وإزالة كاميرات المراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتصاعد التوتر العسكري إلى ذروته مطلع عام 2020 إثر اغتيال قاسم سليماني في بغداد والرد الإيراني بقصف صاروخي لقاعدة الأسد، بينما باءت محاولات إدارة جو بايدن منذ عام 2021 لإحياء الاتفاق بالفشل وسط جمود سياسي مستمر.
اليوم ومع بلوغ الزمن اللازم لإنتاج مادة انشطارية كافية لسلاح واحد مجرد أيام أو ساعات، ترزح المنطقة تحت معادلة الدولة العتبة ذات الردع الافتراضي، حيث أخفق سلاح العقوبات القديم بفعل تحالفات طهران مع قوى صاعدة، وبات التدخل العسكري محفوفاً بمخاطر إقليمية كبرى، ليصبح السؤال الراهن متعلقاً بما إذا كانت طهران ستعبر العتبة النهائية للردع أم ستكتفي بالبقاء على حافة الهاوية.