ads
ads

الدكتور عثمان السوداني يكتب.. «الدور اللي ماشي» خرافة خطيرة في موسم البرد!

الدكتور عثمان السوداني
الدكتور عثمان السوداني

في كل موسم للبرد تتكرر هذه الجملة نفسها: «ده الدور اللي ماشي»، تعبيرًا عن ارتفاع الحرارة والكحة وتكسير الجسم.

وهذه العبارة خطيرة جدًا طبيًا؛ لأنها أول الطريق نحو التشخيص الخاطئ، الذي يقود إلى العلاج العشوائي، ولا سيما الحقنة الشهيرة «3×1».

وتمتد الإجراءات الطبية الخاطئة إلى تناول مضاد حيوي بلا فحص، مع المسكنات التي تُسكِت الألم، فتمنح اطمئنانًا زائفًا وخادعًا.

وبالطبع فإن كل هذا يبتعد تمامًا عن الحقائق الطبية الصحيحة، وأولها أن ارتفاع الحرارة ليس مرضًا، وإنما مجرد عرض يشير إلى خلل داخلي محتمل.

وفي الحقيقة قد يكون سبب ارتفاع الحرارة بسيطًا، عبارة عن عدوى فيروسية عابرة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون أخطر من ذلك بكثير، بسبب مرض يحتاج تدخلًا وتشخيصًا متخصصًا.

لذا يجب أن ننتبه إلى أن المشكلة ليست في الدواء، وإنما في غياب التشخيص، إذ يقع البعض في إسكات العرض سريعًا وإخفاء السبب الحقيقي، مما يؤدي إلى تأجيل العلاج الصحيح.

ومن أهم الأمثلة على هذا الوضع العجيب الالتهاب الكبدي الوبائي الفيروسي A، فهو يبدأ بحرارة وتكسير وإرهاق عام فقط لا غير.

ويكون التشخيص الفوري الذي يُبلَّغ به المريض: «ده دور عادي وبسيط»، فيأخذ حقنة مسكن، وقد يأخذ مضادًا حيويًا.

هذا التصرف يُخفي الحرارة مؤقتًا، لكن خلال أيام تظهر الحقيقة عن طريق اصفرار بياض العينين وارتفاع إنزيمات الكبد، لينتهي الأمر في آخر المطاف إلى تشخيص واضح وصريح، وهو الالتهاب الكبدي.

الدور اللي ماشي يمكن أن يكون مرضًا موجودًا من بداية ظهور الأعراض، لكن تشخيصه خطأ، وتغطية أعراضه تُخفيه لفترة قليلة.

والدور اللي ماشي قد يكون أيضًا التهابًا بكتيريًا ينتهي بالتهاب رئوي، وإذا عولج بطريقة خاطئة قد يتحول إلى التهاب صديدي ـ في اللوزتين تحديدًا ـ وهو ما يحتاج علاجًا دقيقًا، وليس حقنة عشوائية أو وصفة سريعة.

والمرض قد يكون نزلة قولونية تختلف في العلاج عن أي مرض آخر، وقد يكون التهابًا في الزائدة الدودية، لكن في مراحله الأولى.

وبالطبع فإن التهاب الزائدة يُعرِّض المصاب به لمضاعفات خطيرة عند تأخر التشخيص أو تأخر بدء العلاج، وهي مضاعفات تهدد حياة المريض.

بل إن الأمر قد يصل إلى التهاب بطانة القلب ـ Endocarditis الخفي ـ الذي يبدأ بحرارة وإرهاق.

وقد يكون الدور اللي ماشي التهابًا عصبيًا، أو التهابًا في المخ، وحتى السكتة الدماغية تحت التكوين التدريجي «Evolving stroke»، وهي حالة تبدأ بأعراض عامة.

كما قد تكون الحرارة أول إنذار مبكر لمرض سرطاني خفي «Hidden malignancy»، وهو ما يحتاج اكتشافًا مبكرًا، وليس مسكنًا عابرًا.

وقد يكون السبب الإصابة بطفيل الملاريا، خاصة بعد السفر إلى مناطق متوطن فيها هذا المرض، كدول إفريقيا مثلًا، أو استقبال مسافر قادم من هذه المناطق.

الطب لا يعترف بمصطلح «الدور اللي ماشي»؛ فالطب لا يعرف سوى فحص يقود إلى تشخيص دقيق، يتبعه علاج صحيح.

لذا فإنني أنصح القراء الأعزاء، في حالة وجود ارتفاع مستمر في الحرارة، وأي أعراض غير معتادة، وأي تدهور في الحالة العامة مع عدم التحسن، فكل هذا يشير إلى أن المريض بحاجة إلى طبيب متخصص، وليس حقنة أو وصفة من الصيدلية.

إن احترام حياة الإنسان يستدعي توخي الحذر، وتوعية الناس ضد الجهل الطبي، وخرافة الدور اللي ماشي بلا تشخيص علمي.

اذهبوا إلى الطبيب المختص، واسألوا عن سبب ارتفاع الحرارة، ولا تكتفوا بإسكاتها.

لا تُخفوا المرض خلف مسكن مؤقت، لأن ما تُخفيه اليوم قد ينفجر في وجهك غدًا، لتجد نفسك أمام حالة خطيرة يصعب علاجها.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً