ads
ads

محمد مختار يكتب عن خديعة سيد قطب اللغوية: الحاكمية مصطلح زائف وسياق مصطنع للمعنى خارج حدود اللغة

محمد مختار
محمد مختار

عاش جيلنا عمرًا طويلًا مخدوعًا في شخوص وفي أسس، تحول بعضها إلى ما يشبه المقدس من الدين. لقد دفعتني ظروف مختلفة للقيام بمراجعة كثير من أفكار قرأتها في وقت سابق، بعد أن رأيت أن هناك تهافتًا لمن كان كثير من الناس يعتبرونهم دعاة إلى الله. ومن بين المفاهيم التي قررت أن أراجعها مصطلح "الحاكمية"، ولكنها كانت مراجعة ليست كغيرها من المراجعات.

لقد كانت المفارقة أنه عندما بدأت في تتبع فكرة "الحاكمية"، لم أكن أتوقع أن تنهار الفكرة بهذه السهولة؛ كانت مفاجأة لي أنا نفسي أن يظهر أمامي زيف هذه الفكرة وخداع المصطلح في وقت قصير. فالحاكمية، هذا المصطلح الغريب على اللغة العربية الذي تحول لدين مقدس يقتل أتباعه الآخرين في سبيله، لم يكن له أبدًا أي أصل في أي لغة، ولا يستطيع أي باحث في أي مجال أن يبني عقيدة بأكملها على مصطلح ليس له أي أصل لغوي، لا في لغته الأصلية ولا في أي لغة أخرى. واستعدت محاضرات أستاذي الذي تعلمت الفلسفة على يديه، فيلسوف هذا العصر الدكتور حسن حنفي، الذي كان يعلمنا أن اللغة هي وعاء الفكر؛ فإن كانت اللغة فاسدة، فإن الفكر الذي تعبر عنه هذه اللغة يصبح فاسدًا بالضرورة.

الحاكمية هي المفردة التي كانت أكثر إثارة للجدل في كل أدبيات الإسلام السياسي، ومفردة "الحاكمية" ليس لها أصل عربي، ولكن صكها مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند أبو الأعلى المودودي مستخدمًا المفردة الإنجليزية (Governance)، ثم نقل سيد قطب نفس المفردة إلى اللغة العربية مستخدمًا كلمة "الحاكمية"؛ وهي كلمة لا أصل لها في اللغة العربية، ويعتبر استخدامها في سياق التنظير الفكري خطأً مهنيًّا، بالنظر إلى أن اللغة هي وعاء الفكر، ولا يستقيم استخدام مفردة غير صحيحة لغويًّا لبناء نظرية كاملة عليها، خصوصًا إذا كانت بخطورة نظرية الحكم والتشريع. لقد خلت كل معاجم اللغة العربية من أي إشارة من قريب أو من بعيد لكلمة الحاكمية، أو معنى لغوي صحيح لها.

وأوردت المعاجم العربية مفردات مادة (حكم) وهي: الحُكم بمعنى القضاء، وجمعه أحكام، وقد حَكَمَ عليه بالأمر حُكمًا وحكومةً، وحَكَمَ بينهم كذلك. والحاكم: منفذ الحكم، كـ "الحَكَم"، وجمعه حُكّام. وحاكمه إلى الحاكم: دعاه وخاصمه. وحكّمه في الأمر تحكيمًا: أمره أن يحكم فاحتكم. وتحكّم: جاز فيه حكمه.

وحتى أقرب مفردة للفظة "الحاكمية" وهي مفردة "الحُكامية"، فهي بمعنى اسم علم تاريخي يدل على نخل لبني حُكام باليمامة. فـ "الحُكم" أصله مَنْعٌ لإصلاح، ومنه سُميت لجام الدابة "حَكَمة"؛ فقيل: حَكَمته، وحَكَمْتُ الدابة: منعتها بالحكمة. والْحُكْمُ أيضًا: العلم والفقه والقضاء بالعدل؛ فالحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا أو ليس بكذا، سواء ألزمتَ ذلك غيرك أو لم تلزمه، فإذا قيل "حُكْمٌ بالباطل" فمعناه أجرى الباطل مجرى الحكم.

والحُكم أعم من الحكمة؛ فكل حكمة حُكم وليس كل حُكم حكمة؛ فالحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل. والحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات، أو معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويشترط فيها الجمع بين العلم والعمل.

فلا يُسمى الرجل حكيمًا حتى يجمعهما. والحكمة أيضًا: القضاء، والعدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل. ومادة "الحُكم" أيضًا من الإحكام وهو الإتقان، واحتكم الأمر واستحكم؛ أي وثُق. وسورة محكمة: غير منسوخة؛ فالمُحكم ما لا يُعرض فيه لشبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى. ويقال "حاكم" و"حُكّام" لمن يحكم بين الناس، و"الحَكَم" المتخصص بذلك، فهو أبلغ، ويقال للجمع والواحد، ويقال للرجل المسن أيضًا. و"الحكيم" يجوز أن يكون بمعنى الحاكم. وفي أسماء الله: "الحَكَم" و**"الحكيم"**، وهي بمعنى الحاكم.

فهذا الاستخدام المتعسف للغة واشتقاق مفردة "الحاكمية" من غير أصل لغوي صحيح، يؤكد أن توظيف سيد قطب لمفردة الحاكمية كمقابل عربي لكلمة (Governance) التي استخدمها أبو الأعلى المودودي في تأسيسه للغة الخطاب الديني للجماعة الإسلامية في الهند، هو توظيف قسري؛ فلفظ الحاكمية من حيث الصياغة ليس له أي أصل لغوي في اللغة العربية. وحتى في أي محاولة لرده للجذر العربي (ح ك م)، فإن لفظ "حاكمية" ليس له أي وجود في اللغة العربية، بما يجعل من استخدام مفردة أو لفظ الحاكمية للتأسيس لنظرية إسلامية في الحكم شكلًا من أشكال التلاعب بمفاهيم اللغة، وتحميل اللغة ما لا تحتمل عقلًا ومنطقًا.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً