ads
ads

محمد مختار يكتب عن سمعة زائفة لمؤسس فكر التوحش .. كيف تطاول سيد قطب على نبى الله موسى ؟

محمد مختار
محمد مختار

قد يكون جيلنا هو الجيل الذي تحمل صدماتٍ لا قِبَلَ لأجيالٍ غيره بتحمُّلها؛ إنَّ من سوء حظ الأجيال التي تولد وتعيش في الفترات الانتقالية بين القرون، أنها هي التي تتعرض أكثر من غيرها لصدماتٍ ناتجة عن تغيير المفاهيم والأفكار، التي غالباً ما تحدث مع بداية ونهاية كل قرن. إنَّ جيلنا قد تعرض لصدمة التوحش الذي تحولت إليه جماعاتٌ دينية كنا نظنها معتدلة، وذلك عندما ظهرت لبعض هذه الجماعات بوادر تمكينٍ في بعض المناطق من الدول التي تعرضت للتفكيك.

تحت شعار أنَّ هذه الجرائم الوحشية هي حكم الله الذي تزعم هذه الجماعات الدينية أنها مكلفةٌ بإنفاذه على من يقع تحت حكمها. أما ما دفعني دفعاً لأن أبحث عن الحقيقة، فهو كتابٌ وقع بين يديَّ حول تاريخ الحركة العمالية في مصر؛ إذ تناول هذا الكتاب تاريخ الحركة العمالية، وصدمتُ حين وجدتُ بين دفتيه ملاحق تُظهر أن سيد قطب ـ الشخص الذي عرفناه بمظلوميته الشديدة، واستلهمنا منه أفكارنا حول 'الحاكمية' وتطبيق شرع الله في الأرض ـ هو نفسه الذي كان يكتب في الصحف وقت أزمة عمال كفر الدوار؛ حيث كتب بكل ما أوتي من مهارةٍ لغوية، مطالباً ليس فقط بإعدام عمال كفر الدوار، بل وبالإجهاز على كل من يصدح برأيٍ مخالف.

كتب سيد قطب في جريدة 'الأخبار' (تحت عنوان: حركات لا تخيفنا) في عدد 15 أغسطس 1952، ما يلي عن إضرابات 12 و13 أغسطس 1952 لعمال كفر الدوار: 'إنَّ عهداً عفناً بأكمله يلفظ أنفاسه الأخيرة في قبضةٍ طاهرة، ولكنها قويةٌ مكينة؛ فلا بأس أن يرفس برجليه، ولكنه عهدٌ انتهى.. عهدٌ قد مات. ولكنَّ المهم هو أن نشرع في الإجهاز عليه، وأن تكون المُدْيَةُ حاميةً فلا يطول الصراع، ولا تطول السكرات. لقد أطلع الشيطانُ قرنيه في كفر الدوار؛ فلنضرب بقوة، ولنضرب بسرعة، وليس على الشعب سوى أن يرقبنا ونحن نحفر القبر ونهيل التراب على الرجعية والغوغائية، بعد أن نجعلها تشهد مصرعها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة'.

إنَّ هذا المقال الصادم، الذي كان من بين مقدماتٍ لأحكامٍ بالإعدام على أب

رياء لم يسفكوا دماً، كان بمثابة الصدمة التي جعلتني أفكر في أن أعيد تقييم كتابات الرجل؛ في ضوء هذا المقال وغيره من مقالاتٍ لا يستقيم أن يكون كاتبها هو من يدعو لتحكيم شرع الله باسم «الحاكمية». وقد بحثتُ عن الرجل قليلاً لأُصدم باستمرار بأنه كان من أنصار الديكتاتورية والقمع، ولم يكن أبداً من أنصار الحرية ولا العدل.

كتب سيّد قطب مقالاً قال فيه بالحرف الواحد: «لا بد من استبعاد الجماهير من معادلة العمل السياسي؛ فمن مصلحة الجميع أن يظل الزمام في أيدي قوة نظامية طاهرة نظيفة كأبطال ثورتنا المجيدة، ومن مصلحة الحمقى ألا يقفوا في طريق هذه القوة النظامية؛ فهي أقوى مما يظنون، وهي ستسحقهم سحقاً.. إن طريقة القوة المنظمة أسلم من طريقة الجماهير».

ثم يحسب سيد قطب نفسه ضمن أصحاب ثورة 23 يوليو بعد أن انضم لـ «هيئة التحرير»؛ أول تنظيم سياسي للثورة، فكتب في جريدة الأخبار في عدد 22 أغسطس 1952 قائلاً بالحرف الواحد:

«لا وألف لا لدستور 1923، فهو ليس سوى الخدعة التي يطنطن بها رجال السياسة ليفرغوا بها وثبة ثورتنا. لا وألف لا لدستور 1923 الذي تتستر الرجعية وراء صفحاته وتتشبث بخدعته لتعيش. لا وألف لا لدستور 1923، فلا دستور لنا سوى دستور ثورة 1952. نعم... إنني أطالب بديكتاتورية نظيفة وعادلة حتى يتم التطهير».

إنَّ الصدمة التي هالتني هي أنَّ مثل هذا الشخص الذي يكتب هذا الكلام، لا يُعقل أن يتحول بعد شهورٍ فقط من النقيض إلى النقيض، ويكتب عن 'الحاكمية' وعن تحكيم شرع الله بين الناس! بل إنَّ مَن يكتب بمثل هذا المنطق لا يمكن أبداً أن يكون 'قرآنياً' يُبشّر بجيلٍ قرآنيٍ فريد، أو جيلٍ رساليٍ يهدف لتحكيم شرع الله في الأرض، وأن يعلو القرآن فوق رؤوس الجميع ليكون الدستور الإلهي للحياة، بعيداً عن القوانين الوضعية والدساتير البشرية؛ خاصة بعد أن صرّح بنفسه أنه لا دستور سوى دستور ثورة 1952م.

بل إنَّ سيد قطب -حتى في المرحلة التي وصف فيها نفسه بأنه تحول ليكون إسلامياً- لم يكتفِ فقط بالتحريض على قتل أشخاصٍ لم يسفكوا الدماء، وهو ما يخالف مزاعم «الحاكمية» التي روج لها وابتدع مصطلحها الزائف، بل إنَّ مروج هذا المصطلح لم يجد في نفسه أي غضاضة في أن يسبَّ الصحابة، ومن بينهم صحابةٌ مبشرون بالجنة، بأقسى الشتائم التي لا يقبل أي مسلم أن يُوصف بها أكابر الصحابة؛ مثل معاوية بن أبي سفيان أو عمرو بن العاص. ولو حاول أشياع «دين الحاكمية» أن يبرروا تطاول سيد قطب على معاوية أو عمرو، فكيف سيبررون تطاوله على صحابيٍّ مات شهيداً ومظلوماً مثل عثمان بن عفان «ذي النورين»، ووصفه له بالعجز والضعف والتمكين للظالمين؟ بل كيف يمكن أن يبرر أشياع هذا المصطلح الكاذب لصاحبه وهو يتطاول على نبي الله وكليمِهِ موسى -عليه السلام- وهو من أولي العزم من الرسل؟"

«لقد عرضنا من قبل قصة صاحب الجنتين وصاحبه، وقصة موسى وأستاذه، وفي كل منهما نموذجان بارزان، والأمثلة على هذا اللون من التصوير هي القصص القرآني كله؛ فتلك سمة بارزة في هذا القصص، وهي سمة فنية محضة، وهي بذاتها غرض للقصص الفني الطليق. وها هو ذا القصص القرآني، ووجهته الأولى هي الدعوة الدينية، يلمُّ في الطريق بهذه السمة أيضاً، فتبرز في قصصه جميعاً، ويرسم بضعة نماذج إنسانية من هذه الشخصيات، تتجاوز حدود الشخصية المعينة إلى الشخصية النموذجية؛ فلنستعرض بعض القصص على وجه الإجمال، ولنعرض بعضها على وجه التفصيل.

لنأخذ موسى؛ إنه نموذج للزعيم المندفع العصبي المزاج. فها هو ذا قد رُبي في قصر فرعون، وتحت سمعه وبصره، وأصبح فتىً قوياً: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾».

وهنا يبدو التعصب القومي، كما يبدو الانفعال العصبي، وسرعان ما تذهب هذه الدفعة العصبية فيثوب إلى نفسه؛ شأن العصبيين:

{قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 15-17].

{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18].

وهو تعبيرٌ مصورٌ لهيئةٍ معروفة: هيئة المتفزّع المتلفت المتوقع للشر في كل حركة، وتلك سمة العصبيين أيضاً. ومع هذا، ومع أنه قد وعد بأنه لن يكون ظهيراً للمجرمين؛ فلننظر ما يصنع... إنه ينظر:

{فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} مرة أخرى على رجلٍ آخر!

{قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18].

ولكنه يهمّ بالرجل الآخر كما همّ بالأمس، وينسيه التعصب والاندفاع استغفاره وندمه وخوفه وترقبه، لولا أن يذكّره من يهمّ به بفعلته، فيتذكر ويخشى:

{فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص: 19].

وحينئذٍ ينصح له بالرحيل رجلٌ جاء من أقصى المدينة يسعى، فيرحل عنها كما علمنا. فلندعه هنا لنلتقي به في فترةٍ ثانية من حياته بعد عشر سنوات؛ فلعله قد هدأ وصار رجلاً هادئ الطبع، حليم النفس."

لقد أتممت مراجعة هذا الجزء الأخير من النص، وهو الجزء الذي يظهر فيه بوضوح "الصدام الفكري" بين الرؤية الأدبية النفسية لسيد قطب وبين النص القرآني الذي يُنزه الأنبياء ويعلي من شأنهم.

إليك النص بعد التصحيح اللغوي والتنسيق:

النص المصحح:

"كلا! فها هو ذا يُنادى من جانب الطور الأيمن: أن ألقِ عصاك. فألقاها؛ فإذا هي حيةٌ تسعى، وما يكاد يراها حتى يثب جرياً لا يعقبُ ولا يلوي... إنه الفتى العصبي نفسه، ولو أنه قد صار رجلاً؛ فغيره كان يخاف نعم، ولكن لعله كان يبتعد عنها، ويقف ليتأمل هذه العجيبة الكبرى.

ثم لندعه فترة أخرى لنرى ماذا يصنع الزمن في أعصابه. لقد انتصر على السحرة، واستخلص بني إسرائيل، وعَبَرَ بهم البحر، ثم ذهب إلى ميعاد ربه على الطور، وإنه لنبي، ولكن ها هو ذا يسأل ربه سؤالاً عجيباً: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143].

ثم حدث ما لا تحتمله أية أعصاب إنسانية، بله أعصاب موسى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]. عودة العصبي في سرعة واندفاع!

ثم ها هو ذا يعود، فيجد قومه قد اتخذوا لهم عجلاً إلهاً، وفي يديه الألواح التي أوحاها الله إليه، فما يتريَّث وما يني: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150]. وإنه ليمضي منفعلاً يشدُّ رأس أخيه ولحيته ولا يسمع له قولاً: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94]. وحين يعلم أن السامري هو الذي فعل الفعلة؛ يلتفت إليه مغضباً، ويسأله مستنكراً، حتى إذا علم سر العجل: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنَسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} [طه: 97]. هكذا في حنقٍ ظاهر وحركةٍ متوترة.. إلخ.

فلندعه سنوات أخرى؛ لقد ذهب قومه في التيه، ونحسبه قد صار كهلاً حينما افترق عنهم، ولقي الرجل الذي طلب إليه أن يصحبه ليعلمه مما آتاه الله علماً، ونحن نعلم أنه لم يستطع أن يصبر حتى ينبئه بسرِّ ما يصنع مرة ومرة ومرة، فافترقا... تلك شخصية موحدة بارزة، ونموذج إنساني واضح في كل مرحلة من مراحل القصة جميعاً.

هذا هو رأي صاحب مصطلح 'الحاكمية' في نبي الله موسى، ولكن ماذا قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه الذي تطاول عليه سيد قطب واعتبره شخصاً عصبي المزاج، مندفعاً ومتهوراً في كل مراحل حياته؟ قال الله في شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69]. وقال تعالى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ} [طه: 13]. وقوله تعالى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41].

في ختام هذا العرض، يتجلى لنا بوضوح حجم "الارتباك القيمي" الذي وقع فيه سيد قطب حين تغلب عليه العاطفة أو النزعة الشخصية. فالمسار الذي تتبعناه لسيد قطب يكشف عن مفارقات حادة يصعب التوفيق بينها؛ فكيف لمن نادى بـ "المدية الحامية" والإجهاز على عمال كفر الدوار في لحظة غضب سياسي، أن يتحول لاحقاً لمنظر لـ "الجيل القرآني الفريد"؟

إن الطريقة التي تناول بها شخصية كليم الله موسى -عليه السلام- بوصفه "شخصية عصبية مندفعة"، لا تمثل مجرد قراءة أدبية عابرة، بل تعكس نزعة في الفكر القطبِي تميل إلى "إسقاط الطباع البشرية المتوترة" على مقام النبوة، وهو ما يتصادم بشكل صريح مع التزكية الإلهية لموسى -عليه السلام- في قوله تعالى: {وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا}.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً