ads
ads

محمد مختار يكتب عن مشهدٍ لن ينساه التاريخ: حين اختبأ الإسرائيليون في الملاجئ وخرج الإيرانيون بالملايين يطلبون الموت.. انتصرت طهران

محمد مختار
محمد مختار

ثمة لحظات في تاريخ الصراعات الكبرى، يتوقف فيها المحللون العسكريون أمام "خرائط القوى" و"أرقام الترسانات"، لكنهم ينسون دائماً الرقم الأهم في المعادلة: وهو "روح الإنسان". وما شهدناه في الساعات الماضية بين واشنطن وطهران، لم يكن مجرد صراع إرادات سياسية، بل كان تجسيداً حياً لأسطورة قديمة تقول إن "من يطلب الموت، توهب له الحياة".

لقد خرج دونالد ترامب بلغة "قيامية" لم يعهدها العالم من قبل، مهدداً بإبادة حضارة كاملة في ليلة واحدة، ظناً منه أن "القوة التدميرية" ستبث الرعب في أوصال الشعب الإيراني، وتدفعه للفرار أو الاستسلام. وكان التوقع المنطقي في حسابات "البنتاجون" أن يختبئ الناس في السراديب، أو أن تفر العائلات نحو الحدود هرباً من "الموت القادم من السماء". وفي نهاية المطاف أن يتمرد الشعب الإيراني على قيادته ويطلب الحياة بدلا من الموت .

لكن المفارقة المذهلة التي زلزلت حسابات واشنطن وتل أبيب معاً، كانت في "المشهد المليوني" الصادم: لقد رأينا ملايين الإيرانيين يخرجون إلى الشوارع والميادين، لا ليتظاهروا ضد بلادهم كما كان يتوقع ترامب الأحمق ومستشاريه الحمقى بعد أن تلفظ الرئيس الامريكي بجملة من أحط الجمل في تاريخ السياسة الأمريكية وهى أنه سوف يبيد حضارة عمرها الاف السنين في ليلة واحدة ، بل ليصطفوا "دروعاً بشرية" حول منشآتهم وجسورهم ومحطات طاقتهم. لم يخرجوا بحثاً عن نجاة، بل خرجوا "يطلبون الموت" بصدور عارية.

رأينا شباباً ونساءً وشيوخاً يتسابقون للوقوف في المواقع المستهدفة، وكأنهم يلقون في وجه القاذفات الأمريكية سؤالاً وجودياً مريراً: "كيف ستقتلون شعباً قرر أن يموت دفاعاً عن كرامته؟". وفي ذات اللحظة التي كان فيها الإيراني "يسعى نحو حتفه" بشموخ أسطوري، كان الجانب الآخر في إسرائيل يعيش حالة من الذعر الجماعي.

كانت الشوارع مهجورة، والملايين يهرعون إلى الملاجئ والمخابئ المحصنة مع كل صيحة لصافرات الإنذار. وبينما كان الإيرانيون يملأون الميادين بضجيج التحدي، كان الإسرائيليون يقبعون في "صمت القبور" تحت الأرض، ينتظرون أن تحميهم أمريكا من مصير لا يملكون الشجاعة لمواجهته فوق الأرض.

هنا، وفي هذه النقطة بالذات، انتصرت إيران. لقد انكسرت "أسطورة القوة" أمام "فلسفة الشهادة". وحين أدرك ترامب — عبر التقارير الاستخباراتية والوساطة الباكستانية — أن قنابله لن تحصد "أهدافاً عسكرية" بل ستحصد ملايين البشر الذين "جاءوا يطلبون الموت"، تراجع خطوة إلى الوراء. لقد أدرك الأحمق أن "القوة التدميرية" لا قيمة لها أمام شعب حول الموت إلى "سلاح استراتيجي". إن أسبوعي الهدنة اللذين نعيشهما الآن، هما في الحقيقة "انحناءة اضطرارية" من القوة العظمى أمام إرادة شعب قرر ألا يخاف. ويبقى الدرس الذي سطره الإيرانيون بدمائهم وأعصابهم في تلك الليلة: أن العالم قد يخشى القوي، لكنه ينحني مرغماً أمام من لا يخشى الموت.

سيقف التاريخ كثيراً أمام تلك اللحظات الفاصلة التي تخرس فيها لغة الدبلوماسية، وتتصدر المشهد لغة القوة الغاشمة. وما شهده العالم في الساعات الأخيرة بين واشنطن وطهران لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل كان اختباراً وجودياً لصلابة المجتمعات وقدرتها على امتصاص "الصدمة والترويع". لقد استمع العالم بذهول إلى خطاب "قيامي" غير مسبوق صدر من البيت الأبيض، يلوح بـ "إبادة حضارة" وموت أمة بأكملها في ليلة واحدة.

كان الظن الاستراتيجي لدى مخططات الحرب في البيت الأبيض أن هذا التهديد الفائق سيبث ذعراً يشل الحركة في شوارع طهران، ويدفع النظام والشعب معاً للبحث عن مخابئ تحت الأرض اتقاءً لشر "الزلزال" القادم. لكن المفارقة المذهلة كانت في تجسد مشهدين متناقضين على طرفي الصراع: ففي الوقت الذي كانت فيه المدن الإسرائيلية تعيش حالة من "الشلل التام"، حيث هرع الملايين بذعر غريزي نحو الملاجئ والمخابئ المحصنة مع كل صيحة لصافرات الإنذار، باحثين عن نجاة مؤقتة خلف جدران الخرسانة.

ولكن كان المشهد في إيران يسير في اتجاه معاكس تماماً لكل قواعد المنطق العسكري البارد. لقد رأى العالم ملايين البشر يتدفقون نحو الميادين والمنشآت الحيوية، لا بحثاً عن مأمن، بل ليتحولوا إلى "متطوعين للموت".

رأينا "الدروع البشرية" تتشكل من أجساد حية تلتف حول محطات الطاقة وجسور العبور وصوامع الغلال. لم تكن تلك حشوداً تطلب الحياة بأي ثمن، بل كانت ملايين تعلن بوضوح أنها "تطلب الموت" بكرامة، لتنزع من يد الخصم ورقة التهديد بالإبادة الشاملة.

هنا سقطت أسطورة "القوة التدميرية" وانكسرت هيبة التهديد: فعندما يجد المعتدي أن ضحيته لا تفر منه، بل تتقدم نحوه بصدور عارية تطلب المواجهة، فإن أحدث المنظومات التكنولوجية تتلعثم. لقد أدرك صانع القرار في واشنطن أن قنابله "الذكية" قد تقتل الملايين، لكنها لن تكسر "إرادة" قررت أن تجعل من جسدها حائط صد أخير.

إن "أسبوعي الهدنة" اللذين فرضا نفسهما كواقع جديد، لم يكونا منحة أو تنازلاً سياسياً عادياً، بل كانا تراجعاً اضطرارياً أمام شعب حول "عدم الخوف من الموت" إلى سلاح استراتيجي يتفوق في تأثيره على السلاح النووي. لقد ثبت في تلك الليلة أن القوة التي لا ترحم، تنحني مرغمة أمام الروح التي لا تهاب الفناء.

لكن المفارقة المذهلة كانت في "المشهدين" المتناقضين: على جانب، رأينا الملايين من الإيرانيين يخرجون إلى الشوارع، لا ليهربوا، بل ليصطفوا "دروعاً بشرية" حول جسورهم ومحطات طاقة بلادهم. رأينا شباباً وطلاباً يرفضون الانزواء، ويختارون الوقوف "كتفاً بكتف" في مواجهة طائرات الشبح وصواريخ التوما هوك.

كانت الرسالة الإيرانية بليغة وواضحة: "إذا أردتم تدمير حضارتنا، فعليكم أولاً أن تمروا فوق أجسادنا". هذا المقطع يجسد بدقة "اللحظة التي انكسر فيها منطق القوة" أمام منطق الإرادة. فالمفارقة التي صاغتها الأحداث في تلك الليلة (أبريل 2026) لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت "هزيمة نفسية" للمشروع القائم على الترهيب الشامل. لقد كانت الحسابات الأمريكية تراهن على أن "حافة الهاوية" ستدفع الخصم للسقوط فيها، لكن ما حدث هو أن الخصم قرر أن يحول الهاوية إلى منصة صمود. فحين تحولت شوارع طهران إلى "خلايا بشرية" تتسابق نحو المواقع المستهدفة، لم تكن تدافع عن حجارة أو توربينات كهرباء، بل كانت تدافع عن "فكرة البقاء".

وفي المقابل، كان "قبو الرعب" الإسرائيلي يرسل إشارة ضعف استراتيجية: إن الشعوب التي تسجن نفسها خلف الجدران الخرسانية بانتظار "منقذ" خارجي ليخوض حربها نيابة عنها، هي شعوب فقدت المبادرة الميدانية. فالركون إلى المخابئ مع كل صيحة إنذار، بينما الخصم يملأ الميادين بضجيج التحدي، خلق فجوة في "الروح المعنوية" لم تستطع أحدث بطاريات "القبة الحديدية" أو "فلاخن داود" جسرها. لماذا تراجع ترامب؟ لم يتراجع الرئيس الأمريكي بدافع إنساني محض، بل لأنه اصطدم بـ "المستحيل العسكري". فالقائد العسكري، مهما بلغت درجة جموحه، يدرك أن تدمير بنية تحتية يحميها ملايين "المستميتين" (بالمعنى الحرفي للكلمة) سيتحول إلى "محرقة بشرية" ستؤلب العالم أجمع ضده، ولن تحقق نصراً سياسياً يمكن استثماره.

الخلاصة الميدانية: لقد أدركت واشنطن في تلك الساعات أن "الثمن" لن يكون مجرد صواريخ تُطلق أو طائرات تُسقط، بل سيكون "موت الضمير العالمي" تحت أنقاض الجسور التي يحميها البشر. هذا "اليقين" الإيراني بالمواجهة، قابله "ارتجاف" إسرائيلي في الملاجئ، مما أجبر "الوساطة الباكستانية" على التحرك في مساحة "العقل" المتبقية لدى البيت الأبيض.

إن "أسبوعي الهدنة" هما في الحقيقة "شهادة ميلاد" لموازين قوى جديدة، أثبتت أن من يملك الجرأة على "طلب الموت" بكرامة، هو وحده من يملك الحق في إملاء شروط الحياة. لقد انتصرت إيران لأنها راهنت على "الإنسان المتشبث بأرضه"، بينما خسر المراهنون على "التكنولوجيا المختبئة في الملجأ".

انتصرت لأنها حولت التهديد بالإبادة إلى ملحمة صمود شعبي، جعلت الوساطة الباكستانية تبدو لترامب "طوق نجاة" أخلاقي قبل أن تكون مخرجاً سياسياً. إن "أسبوعي الهدنة" اللذين نعيشهما الآن، ليسا مجرد وقت مستقطع، بل هما اعتراف صريح بأن لغة "النووي" و"الإبادة" قد انكسرت أمام لغة "السلاسل البشرية". ويبقى الدرس الذي يجب أن يستوعبه الجميع: أن الشعوب التي لا تخاف الموت، هي وحدها التي تفرض على أقوى إمبراطوريات الأرض.. شروط الحياة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً