ads
ads

داليا عماد تكتب: المغرب ومصر.. وشائج الروح وتاريخ لا يصدأ

داليا عماد
داليا عماد

لا أحتاج إلى نبش الدفاتر القديمة أو استنطاق المخطوطات لكي أثبت عمق المحبة التي يكنها الشعب المغربي لشقيقه المصري، فالأمر يتجاوز حدود الجغرافيا ويتحرر من قيود السياسة العابرة ليصبح حالة من "الحلول" الروحي. إن الزائر للمغرب، من طنجة شمالاً وحتى الكويرة جنوباً، يدرك منذ الوهلة الأولى أن المصري هناك ليس غريباً، بل هو "صنو الروح" الذي انتظرته الذاكرة طويلاً.

هذه المحبة المغربية لمصر ليست وليدة صدفة، بل هي تراكم لقرون من التثاقف، حيث كان "درب المغاربة" في القاهرة شاهداً على أن المغربي حين يشد الرحال إلى الحجاز أو يطلب العلم، لا يجد مستقراً لقلبه إلا في رحاب المحروسة، فصارت مصر للمغاربة "قبلة ثانية" للعلم والوجدان.

إن المتأمل في وجدان الإنسان المغربي يجد أن صورة مصر محفورة فيه بملامح ثقافية لا تمحى. فالبيت المغربي، منذ أيام الراديو "الترانزستور" وحتى عصر الفضاء المفتوح، ظل مفتوح النوافذ على صوت أم كلثوم وكلمات أحمد رامي وألحان السنباطي. لم تكن الموسيقى المصرية مجرد نغم عابر، بل كانت اللغة التي تعلم بها المغاربة أبجديات الحب والشجن.

وعندما نتحدث عن السينما والدراما، نجد أن اللهجة المصرية أصبحت للمغربي "لساناً رديفاً" يفهمه بالفطرة، لا لأنها الأسهل، بل لأنها لغة السينما التي صاغت أحلامه وقصص بطولاته.

إن الحب المغربي لمصر يتجلى في تلك الابتسامة التي تعلو وجه "المراكشي" أو "البيضاوي" حين يسمع لكنة مصرية، فيبادر بالترحاب وكأنه استعاد قطعة من ذاكرته الشخصية.

ولا يمكن للعين أن تخطئ ذلك التقدير الهائل الذي يضعه المغاربة للمثقف والعالم المصري. ففي أروقة جامعة القرويين بمدينة فاس، وفي صالونات الرباط الأدبية، يُنظر إلى الفكر المصري بوصفه المنارة التي أضاءت دروب النهضة العربية.

إن المغربي الذي يقرأ لطه حسين ونجيب محفوظ ويتابع معارك العقاد الفكرية، لا يفعل ذلك من قبيل الاطلاع فحسب، بل من دافع الشغف بمن يعتبره شريكاً في صياغة الهوية.

هذا الحب يتجسد في احترام عميق للريادة المصرية، وهو احترام يخلو من الغيرة، بل يمتلئ بالاعتزاز، لأن المغربي يرى في نجاح مصر نجاحاً له، وفي انكسارها – لا قدر الله – غصة في حلقه هو شخصياً.

وعلى الصعيد الإنساني البسيط، نجد أن الروابط بين الشعبين قد تعززت بمرور الزمن من خلال المصاهرة والعيش المشترك. فكم من أسرة مغربية تجد في عروقها دماً مصرياً، وكم من مصري استوطن فاس أو الدار البيضاء فصار مغربياً بقلبه مصرياً بلسانه. هذا الامتزاج خلق حالة من الكيمياء الفريدة، تجعل الشعب المغربي يدافع عن مصر في المحافل الشعبية بحماسة قد تفوق حماسة المصريين أنفسهم. إنها علاقة "المرآة"، حيث يرى المغربي في المصري طموحه وتاريخه، ويرى المصري في المغربي أصالة الجذور ووفاء الصديق.

إن هذا الحب هو الذي جعل الملاعب الرياضية، رغم ما قد يشوبها من تنافس أحياناً، تتحول في كثير من الأحيان إلى ساحات للعناق والاعتراف بالجميل.

إن ما يربط المغرب بمصر هو "عقد اجتماعي" غير مكتوب، وقعه الشعبان بمداد من المودة الصافية. فالمغربي يحب في المصري خفة ظله، وصبره على الشدائد، وقدرته على اجتراح النكتة من قلب المأساة، والمصري يحب في المغربي نبالته، واعتزازه بهويته، وكرمه الحاتمي الذي يفيض على الغريب قبل القريب.

هذه العلاقة ليست بروتوكولاً دبلوماسياً يمكن إلغاؤه بقرار، بل هي نسيج متين نسجته الأيام والتحديات المشتركة.

وحين تمر مصر بأزمات، تجد المغربي هو أول من يتألم، ليس من قبيل الشفقة، بل من منطلق وحدة المصير، فاستقرار مصر في الوعي المغربي هو صمام أمان للأمة بأسرها.

ختاماً، إن هذه المحبة المغربية الصادقة هي كنز استراتيجي يجب أن نحافظ عليه وننميه.

إنها دعوة لأن ندرك في مصر أن لنا في أقصى المغرب إخوة يشعرون بنا، ويفرحون لفرحنا، ويحفظون ودنا كما يحفظون آيات الذكر الحكيم. إنها علاقة تتجاوز الكلمات، وتستعصي على التفسيرات السياسية الجامدة، وتقودها الشعوب حتى لو غفلت عنها الحكومات ، لأنها ببساطة قصة حب بين شعبين عرفا مبكراً أن العروبة ليست مجرد شعارات، بل هي نبض واحد يدق في القاهرة والرباط في آن واحد.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً