ads
ads

تحليل تكتبه داليا عماد: هل تتحول فكرة الجيش العربي الموحد من شعار مؤجل إلى ضرورة استراتيجية؟

الكاتبة داليا عماد
الكاتبة داليا عماد

ما بعد القواعد الأمريكية: هل تتجه المنطقة إلى منظومة ردع عربية؟

الحرب على إيران وصدمة الخليج: من يدفع الثمن ومن يملك القرار؟

بين واشنطن وطهران وتل أبيب: أين تقف العواصم العربية الآن؟

من المؤكد أن دول الخليج حذّرت واشنطن قبل وأثناء الحرب من أن ضرب إيران سيجر عليها انتقامًا مباشرًا ضد البنية التحتية الخليجية. فكشفت الحرب الصهيو أمريكية الإيرانية بوضوح أن وجود القواعد الأمريكية لم يمنع تعرّض دول الخليج نفسها للضربات، رغم الحماية الأمريكية المزعومة ، وأنه يجب على العواصم الخليجية تنويع شراكاتها الأمنية بدل الاعتماد الأحادي على المظلة الأمريكية.

الحرب على إيران وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي: هل تدفع صدمة الخليج نحو دفاع عربي مشترك تقوده مصر؟ وهل أدركت دول الخليج أن أمنها القومي جزء من الأمن العربي؟

يبدو أن الحرب الجارية على إيران منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 لم تغيّر فقط ميزان الردع بين طهران وواشنطن وتل أبيب، بل فتحت سؤالًا أكبر داخل الخليج خاصة، والمنطقة عامة، وهو هل ما زالت الحماية الأمريكية التقليدية قادرة فعلًا على تأمين الخليج؟

الواقع الذى فرض نفسه يقول إن دول الخليج تعرضت لهجمات إيرانية على منشآت حيوية ومدنية، وإنها كانت قد حذّرت واشنطن مسبقًا من أن أي تصعيد كبير ضد إيران سيحوّل أراضيها ومدنها وبنيتها التحتية إلى ساحة رد إيراني. كما أن النقاش لم يعد فقط عن كيف تنتهي الحرب، بل عن أي نظام أمني سيولد بعدها ؟

أو بمعنى آخر ماذا غيّرت الحرب فعليًا في إدراك الخليج للأمن؟

فبعد أن سقطت فرضية أن القواعد الأمريكية وحدها تكفي للردع، لخص معهد الدراسات الاستراتيجية كارنيجي الأمر بوضوح أنه لا اتفاقات التطبيع ولا القواعد الأمريكية الكبيرة كانت كافية لحماية أمن الخليج من تداعيات الحرب.

فوصفت رويترز أن المنطقة عاشت 'أسوأ سيناريو' بعدما تحول مضيق هرمز، من مضيق مفتوح للجميع إلى مغلق أمام الجميع، وتحول أمن الطاقة والمياه والكهرباء، من مخاطر نظرية إلى وقائع عملية.

فالبرغم أن الخليج لم يرد الحرب لكنه دفع جزءًا من ثمنها.

يرى محللون أن دول الخليج رأت نفسها تدفع ثمن حرب 'لم تبدأها ولم تشكّل قرارها'، كما حذّرت هذه الدول واشنطن من أن ضرب البنية التحتية الإيرانية سيؤدي إلى انتقام ضد منشآتها الحيوية، خصوصًا الطاقة والتحلية.

كما أشاروا إلى أن الاعتماد الأمني على واشنطن لم ينتهِ، لكنه لم يعد كافيًا وحده.

و هنا يجب التمييز بين أمرين وبوضوح أنه لم يحدث انهيار كامل للتحالف الخليجي-الأمريكي، لكن الثقة في كفاية هذا التحالف وحده تراجعت بوضوح.

ما دعى سياسيون ومحللون للاتجاه لتفسير شروع دول الخليج في تنويع الشراكات الأمنية، من أنظمة رادار أوروبية إلى تعاون مضاد للمسيّرات مع أوكرانيا، بينما تشير تحليلات أخرى إلى أن بعض العواصم قد تذهب إلى خيارات أوسع إذا طال أمد الأزمة.

وفى الوقت الذى أرسلت باكستان مقاتلات وقوات ومعدات دعم إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في شرق السعودية في 11 أبريل 2026، وذلك تحت مظلة اتفاق دفاع مشترك وُقّع في 2025. نقلت رويترز أيضًا عن مصدر باكستاني أن هذه القوات 'ليست موجودة لمهاجمة أحد'، بل لتعزيز الدفاعات السعودية بعد الضربات الإيرانية على منشآت الطاقة. إذن الحديث الأدق عن تحالف جديد هو تعزيز عسكري فقط داخل قاعدة سعودية قائمة، وليس إنشاء 'جيش جديد' أو 'قاعدة باكستانية مستقلة'.

دلالة هذه الخطوة مهمة على الصعيد الأمنى والاستراتيجى للمملكة إذ تعني أن السعودية بدأت تبحث عن طبقات حماية إضافية خارج الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة، حتى لو ظل التحالف مع واشنطن قائمًا.

ما يطرح تسائلا هاماً، هل تتجه المنطقة إلى تحالفات جديدة؟

الراجح هو أن ثمة تحالفات جديدة يجرى إعدادها، لكن ليس بالضرورة في صورة حلف واحد شامل وسريع، بل قد تكون في صورة دوائر تحالف متداخلة، الدائرة الأولى قد تكون قائمة على تقوية الأمن الخليجي الداخلي، وهى الخطوة التى يراها 'كارنيجى' الأسهل والأكثر واقعية بعد الحرب فى انشاء نظام دفاع جوي/صاروخي خليجي أكثر تكاملًا، لأن الدول الست تعرضت جميعًا لتهديدات صاروخية ومسيّرات، ولأن هذا النوع من التعاون أكثر قابلية للتنفيذ من المشاريع السياسية الكبرى.

الدائرة الثانية: تنويع الشركاء الخارجيين

فى الوقت الذى تؤكد بعض الدوائر القريبة من مركز صياغة القرار الخليجى أن الخليج بدأ فعلًا التفكير في تنويع الشراكات الأمنية. بل وطرح سيناريوهات يتزايد فيها دور الصين إذا طال تآكل الثقة في الحماية الأمريكية أو طال اضطراب هرمز.

الدائرة الثالثة: ترتيبات إقليمية أوسع تضم مصر وتركيا وباكستان والسعودية

هذه ليست فرضية مجردة؛ فوزير الخارجية المصري قال إن مصر تعمل مع باكستان ضمن جهد أوسع يضم تركيا والسعودية لوضع ترتيب أمني لما بعد الحرب يحمي الخليج ويثبت أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي. هذا مهم جدًا لأنه يشير إلى أن ما بعد الحرب قد لا يكون فقط 'تهدئة'، بل هندسة أمنية جديدة.

بل وذهب البعض إلى احتمال مضاد فى طرح فكرة هل يمكن أن نرى دفاعًا مشتركًا أو تفاهمًا أمنيًا بين الخليج وإيران؟ وهو الوضع الذى لا يرى الغالبية أنه ممكن فى الوقت الراهن وفى ظل رحى الحرب الذى تأذت منه دول الخليج فعليا ،فحتى الآن، لا توجد مؤشرات موثوقة تكفي للقول إن دفاعًا مشتركًا خليجيًا-إيرانيًا يتشكل.

المؤشرات المتاحة تميل إلى العكس في المدى القريب:

فدول الخليج وصفت الضربات الإيرانية في مجلس حقوق الإنسان بأنها تهديد وجودي.

كما نقلت رويترز عن مسئولين أن بعض العواصم الخليجية تريد تسوية مع طهران تقيّد قدراتها الصاروخية والمسيّرات وتمنع 'تسليح' هرمز من جديد.

كما أن مركز كارنيجي نشر أيضًا رأيًا مقابلًا يقول إن ضربات إيران تدفع جيرانها أقرب إلى الولايات المتحدة لا إلى شراكة دفاعية مع طهران.

الاستنتاج الأقرب للدقة:

الأرجح في المدى القريب ليس 'دفاعًا مشتركًا مع إيران'، بل مزيج من الردع والاحتواء والتواصل الدبلوماسي:

ردع عسكري ضد الصواريخ والمسيّرات، واحتواء سياسي لتقليل احتمالات الانفجار، واتصالات لتفادي الانزلاق إلى حرب أوسع.

كل ما سبق يجعلنا أمام سؤال يجب أن تجيب عنه المنطقة هل أعادت الحرب فكرة 'الجيش العربي الموحد' إلى الواجهة؟

من المتوقع إعادتها بقوة، لكن كفكرة مطروحة أكثر من كونها مشروعًا جاهزًا للتنفيذ للكثير من الصعوبات التى أحاطت بفكرة طرحه.

ففي مارس 2015، وافق وزراء الخارجية العرب ثم القمة العربية في شرم الشيخ على مبدأ قوة عربية موحدة، وكان الطرح قد دفع به الرئيس السيسي. لكن رأى المحللون وقتها أن الخطة كانت طوعية وأن المشروعات المماثلة سابقًا فشلت في التحول إلى واقع ملموس بسبب الانقسامات العربية.

ولكن كان للحرب الإيرانية دور عودة التفكير فى جدوى المقترح القديم.

في مارس 2026، عادت الفكرة مجددًا في ظل الضربات على دول عربية، وتحدثت تحليلات متعددة عن أن الحرب أحيت النقاش حول تفعيل الدفاع العربي المشترك. لكن خبراء كثيرين يرون أن المشروع بصيغته الواسعة ما زال صعبًا، وأن ما هو أكثر قابلية للتنفيذ هو تحالفات إقليمية أضيق أو منظومات تخصصية مثل الدفاع الجوي، والاستخبارات، والأمن البحري.

ودعى المتعاطفون مع الفكرة إلى دراسة وتذليل العقبات الحقيقية أمام الجيش العربي الموحد ومناقشة سيل تذليل العقبات.

المشكلة الأساسية ليست نقص الجيوش أو السلاح، بل غياب القرار السياسي الموحد. هذا هو القاسم المشترك في معظم التحليلات المطروحة.

التحديات التي يمكن أن تعيق الفكرة:

1. سؤال من يقود يبدو الأبرز

فالسؤال عن القيادة العليا والقرار العملياتي ظل من أكبر أسباب التعطيل منذ 2015.

2- اختلاف تعريف التهديد

فبعض الدول ترى التهديد الأول في إيران، وأخرى في الفوضى الداخلية، وأخرى في الجماعات المسلحة، وأخرى في إسرائيل أو في الانكشاف أمام القوى الكبرى. هذا يمنع صياغة عقيدة موحدة بسهولة.

3- حساسية السيادة يحمل الكثير من نقاط الخلاف

فأي دولة ستسأل: هل تقبل أن تعمل قوات أجنبية عربية على أراضيها؟ فهذا من أعقد الأسئلة المؤسسية.

4- التفاوت في التسليح والعقيدة والجاهزية

فالجيوش العربية ليست على معيار تشغيلي واحد من حيث أنظمة التسليح والاتصالات والتوافق العملياتي والخبرة والكفاءة والتى لا تتحقق إلا لجيوش خاضت حروب نظامية بالفعل وهو ما لم يتحقق لمعظم الدول، وهذا يجعل الدمج الكامل مكلفًا وبطيئًا.

كما أن الارتباطات الخارجية المتباينة لبعض الجيوش مرتبطة عضويًا بالولايات المتحدة، وبعضها أكثر انفتاحًا على أوروبا أو روسيا أو الصين، وهذا يخلق قيودًا في التسليح والتشغيل والقرار.

لذا وجب البحث هنا عن ما الشكل الأكثر واقعية بدلًا من 'جيش عربي موحد' بصيغته الضخمة؟

هنا أرى أن الحل الأمثل ليس البدء بجيش عربي شامل على طريقة الناتو من اليوم الأول، بل البناء التدريجي لمنظومة ردع عربية/خليجية-عربية متعددة الطبقات. وهذا استنتاج تحليلي مبني على ما ترجحه التقارير الأحدث من أن التكامل الدفاعي المحدد أكثر واقعية من الدمج الكامل.

فالنموذج الذى أراه الأكثر واقعية هو قوة إنذار مبكر عربية/خليجية مشتركة

شبكة دفاع جوي وصاروخي متكاملة

مركز موحد لمكافحة المسيّرات

غرفة استخبارات إقليمية

قيادة أمن بحري للبحر الأحمر وباب المندب والخليج

قوات تدخل سريع محدودة المهام

تصنيع دفاعي مشترك وتخزين ذخائر واعتراضات بصورة جماعية

هذا المسار أكثر قابلية للتنفيذ من إعلان 'جيش عربي موحد' بصيغة فضفاضة ثم تركه معلقًا سياسيًا.

وهنا يجب أن نسأل أين تقف مصر؟ وما الدور الأمثل لها؟

فمصر من وجهه نظر سياسية إقليمية تملك 3 عناصر تجعلها مرشحة لدور مركزي:

أولاً: الثقل العسكري والجغرافي

وهذا ليس فقط بسبب حجم الجيش، بل لأن مصر تمسك بمفصلين استراتيجيين:

البحر الأحمر وقناة السويس، أي قلب أمن الطاقة والتجارة في أي أزمة ممتدة. هذا استنتاج واضح من مركزية هرمز وباب المندب وسلاسل الإمداد في كل التقارير الأخيرة.

ثانياً: القبول السياسي النسبي

فمصر ليست دولة خليجية، لكنها ليست بعيدة عن الأمن الخليجي؛ و أكدت تقارير سياسبة أنها ضمن جهد إقليمي مع السعودية وتركيا وباكستان لبناء ترتيب أمني لما بعد الحرب. هذا يضع القاهرة في موقع الوسيط-الشريك لا مجرد المتفرج.

ثالثاً: أن فكرة الدفاع العربي المشترك أصلًا مرتبطة بالمبادرة المصرية

فالواقع يثبت أن القاهرة كانت صاحبة الدفع السياسي الأبرز لفكرة القوة العربية المشتركة.

الأمثل لمصر ليس أن تطرح فورًا 'قيادة جيش عربي شامل' بصيغة كبرى قد تصطدم بالواقع، بل أن تقود مشروعًا من 4 مستويات:

1. دبلوماسيًا:

تثبيت مصر كضامن عربي في أي ترتيبات ما بعد الحرب.

2. عسكريًا:

الدفع نحو قيادة دفاع جوي/مسيّرات عربية بدل القفز مباشرة إلى جيش كامل. استنتاج مدعوم بترجيح كارنيجي للتكامل الدفاعي المحدد.

3. بحريًا:

قيادة ملف أمن البحر الأحمر وباب المندب، لأنه أكثر ملف تملك فيه مصر ميزة نسبية واضحة.

4. صناعيًا ولوجستيًا:

عرض مصر كمركز تدريب وصيانة وإنتاج وصيانة ذخائر واعتراضات ومسيّرات مضادة للدول العربية. هذا استنتاج عملي من حاجة المنطقة إلى تقليل التبعية الخارجية بعد انكشاف الحرب.

وفى النهاية يجب أن يجيب الجميع على تساؤل هل 'استوعب الخليج الدرس'؟

الوقائع الحالية تقول إن الدرس وصل، لكن الاستجابة لم تُحسم بعد.

ما الذي يمكن تأكيده؟

الخليج أدرك أن الحرب على إيران يمكن أن ترتد عليه مباشرة حتى لو لم يكن يريدها.

الخليج بدأ تنويع شراكاته الأمنية.

الخليج يطلب من أي تسوية مستقبلية ضمانات مكتوبة وقيودًا على قدرات إيران الهجومية.

مما سبق فإن الأدق هو أن الحرب قلّصت الثقة في كفاية الحماية الأمريكية وحدها، لكنها لم تُلغِ الحاجة إليها بالكامل. والدليل وجود اتجاهين متزامنين:

اتجاه نحو التنويع والاعتماد الذاتي.

واتجاه آخر يطلب من واشنطن ضمانات أمنية أوضح وأشد لا الانفصال عنها بالكامل.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً