في ظل تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعتها داخل إيران، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والانقسامات داخل بنية الحكم، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: إلى أي مدى أصبح النظام الإيراني هشاً؟ وهل يمكن أن يتكرر سيناريو فنزويلا في طهران؟ بعد العملية الأمريكية الدرامية التي أطاحت بنيكولاس مادورو، يراقب العالم إشارات واشنطن، وسلوك دونالد ترامب تحديداً، لمعرفة ما إذا كان سيكتفي بالضغط والعمليات السرية، أم يتجه إلى خطوات أكثر جرأة قد تعيد رسم ملامح المشهد الإيراني بالكامل.
هل ستتحول إيران لفنزويلا؟
قال محللون لإيران إنترناشونال إن إيران قد لا تكون فنزويلا، لكن ايران قد تكون في أضعف مراحلها في تاريخها الممتد لما يقرب من 50 عاماً، مع تزايد الضغوط من الشارع وأجهزة الاستخبارات الأجنبية وداخل المؤسسة الدينية،حيث ألقت القوات الأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في غارة جريئة ودموية خلال عطلة نهاية الأسبوع، وشنّت هجوماً مفاجئاً على مواقع نووية إيرانية في يونيو.
قد يعود أسلوبه العسكري غير التقليدي إلى إيران مرة أخرى بعد أن حذر مرتين أعداء واشنطن اللدودين في النظام الثيوقراطي الإسلامي من قتل المتظاهرين، الأمر الذي أسفر عن مقتل أكثر من 25 شخصاً، السؤال الذي يواجه واشنطن الآن هو ما إذا كان دونالد ترامب سيلتزم بالضغط والأدوات السرية أم سيتجه نحو مواجهة أكثر دراماتيكية.
يرى المتابعون لقرارات ترامب في السياسة الخارجية نمطاً واضحاً، فهو يفضل الإجراءات التي تخلق نفوذاً دون إقحام الولايات المتحدة في حروب مفتوحة.
استناداً إلى ذلك السجل، وصف الدكتور مهرزاد بروجردي، نائب رئيس الجامعة وعميد جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا، وهو باحث مخضرم في السياسة الإيرانية، رئيساً يميل إلى العمليات المستهدفة بدلاً من عمليات الانتشار الكبيرة، وأوضح أن ترامب 'يفضل نموذج الهجوم الجراحي الذي لا ينطوي على مخاطر منخفضة ولا يتطلب وجود قوات برية'.
في أكثر نسخ التخطيط للضربات الجراحية تطرفاً، حتى الزعيم الأعلى يظهر كهدف افتراضي، خاصة بعد أن قال ترامب خلال الأعمال العدائية في يونيو إن الولايات المتحدة كانت على دراية تامة بمكان اختبائه، وأضاف بروجردي أن الصراع الأوسع نطاقاً سيأتي بمضاعفات خطيرة.
وقال:'إن أي نوع من التدخل العسكري الجاد، أي وجود قوات برية، في مكان مثل إيران سيكون محفوفاً بالمخاطر السياسية، ومحل نزاع قانوني، ومعقداً استراتيجياً إلى حد ما.'
هل من الممكن حدوث سيناريو مشابه لما حدث في فنزويلا؟
أثارت العملية الدرامية التي أطاحت بنيكولاس مادورو رئيس فنزويلا تساؤلات حول ما إذا كان من الممكن أن يحدث شيء مماثل في إيران.
وفي هذا السياق، أشار أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إلى عمق اختراق الاستخبارات الأجنبية للجهاز الأمني الإيراني.
وقال: 'إذا نظرنا إلى حرب الأيام الاثني عشر التي خضناها في صيف عام 2025، فمن الواضح أن إسرائيل، وبالتأكيد الولايات المتحدة، وأنا متأكد من أن لديهم العديد من العيون والآذان داخل النظام الإيراني. وإلا لما تمكنوا من تنفيذ عمليات الاغتيال المستهدفة التي حققوها.'
خلال حرب الأيام الـ 12، استهدفت الغارات الجوية الإسرائيلية البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية ، مما أسفر عن مقتل قادة كبار مثل العميد في الحرس الثوري داوود شيخيان والعديد من العلماء النوويين بمن فيهم عبد الحميد مينوشهر ومحمد مهدي طهرانجي.
وقال فاتانكا إن هذا المستوى من الوصول يخلق إمكانية عقد صفقات داخل النخبة الحاكمة إذا قرروا أن المسار الحالي غير مستدام، وهذا يشير إلى وجود انشقاقات، وهذا يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من النظام الحالي قرر، كما تعلمون، أن الأمور يجب أن تتغير في المستقبل، وربما يكونون قد أبرموا صفقة.'
وأكد: 'إن نموذج فنزويلا يوضح بالتأكيد أنه بدلاً من اختيار شخصية معارضة، فإن إدارة ترامب راضية تماماً عن إبرام صفقة لانتقال تفاوضي مع عناصر النظام، لكن البنية الداخلية لإيران تجعل مثل هذه التحولات غير قابلة للتنبؤ، فالحرس الثوري يهيمن على قطاعات رئيسية من الاقتصاد والدولة الأمنية.
ماذا في حالة سقوط النظام الإيراني؟
حذر إريك ماندل، مدير شبكة المعلومات السياسية في الشرق الأوسط ومستشار متكرر في قضايا الأمن الإقليمي، من أن السلطة قد تتمركز حولهم،وقال 'أعتقد أن تغيير النظام في إيران قد يكون من النوع الذي يتولى فيه الحرس الثوري الإيراني زمام الأمور لأنه القوة الأكثر تنظيماً.'
اتخذ الأمير رضا بهلوي، أبرز شخصية معارضة خارج إيران ونجل الشاه المخلوع الأخير، رأياً مخالفاً، ففي مقابلات ومقالات رأي حديثة، جادل بأن إيران لا تحتاج إلى تدخل أجنبي أو عملية على غرار فنزويلا.
قال في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال: 'لسنا بحاجة إلى جندي واحد من جيشكم على الأرض في إيران'، مضيفاً أن الجمهورية الإسلامية تضعف من الداخل، وأن انتقالاً سلمياً مُخططاً بقيادة الإيرانيين أنفسهم كفيلٌ بمنع الفوضى. ويرى فيه أنصاره شخصيةً قادرةً على توحيد البلاد.
هل يرغب الإيرانيون فعلاً في شن هجوم؟
دفعت سنوات من التضخم والفساد والقمع بعض الإيرانيين إلى اعتبار التدخل الخارجي ثمناً يستحق الدفع. ومع ذلك، يحذر المحللون من افتراض أن معظم الناس يدعون إلى الحرب.
ناشد المتظاهرون في إيران الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلباً للمساعدة، وفقاً لمقاطع فيديو أُرسلت إلى إيران الدولية يوم الثلاثاء، مع منشورات ولافتات كُتب عليها 'ترامب، لا تدعهم يقتلوننا'.
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الأحد على متن طائرة الرئاسة 'إير فورس وان' إن الولايات المتحدة تراقب التطورات في إيران عن كثب، وحذر من أنه إذا قتلت السلطات الإيرانية متظاهرين، فإن البلاد ستواجه رداً قوياً.
في غضون ذلك، يتغير تكوين الاحتجاجات، لم تعد المظاهرات تتركز بين نخبة طهران، بل أصبحت مدفوعة بشكل متزايد من قبل المدن الصغيرة وعائلات الطبقة العاملة، التي كانت في السابق من مؤيدي المؤسسة الدينية وأعمدة الثورة الإسلامية عام 1979.
ماذا يحدث في حالة وقوع هجوم؟
يعتقد الخبراء أن التصعيد لا يزال ممكناً، خاصة فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الإيراني، هناك احتمالاً كبيراً لحدوث حرب مع إيران، محذراً من أن طهران قد تضرب أولاً لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية ومحاولة حشد المشاعر القومية.
حذّر مجلس الدفاع الإيراني المُشكّل حديثاً، يوم الثلاثاء، من أن بلاده قد تردّ قبل وقوع أي هجوم إذا رصدت مؤشرات واضحة على وجود تهديد، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الاثنين، إنه وترامب لن يسمحا لإيران باستئناف برنامجها الصاروخي والنووي.
بالنسبة للإيرانيين الذين يعيشون بالفعل في ظل التضخم والقمع والاضطرابات، لم يعد السؤال هو ما إذا كان الضغط سيستمر، بل ما هو شكله، وما هو الثمن الباهظ الذي سيدفعونه.
ما الذي أثار الاحتجاجات؟
ذكرت صحيفة 'لوموند' الفرنسية، في تقرير لها، أن موجة من الاحتجاجات الاجتماعية بقيادة التجار وأصحاب المحلات أثّرت بشكل كبير على المناخ السياسي والاقتصادي في إيران.
وقد نشأت هذه الاحتجاجات نتيجة الانهيار الحاد لقيمة العُملة وارتفاع الأسعار غير المسبوق، وانتشرت لتشمل عدة مدن كبرى في البلاد.
وأشار التقرير إلى أن أول الاحتجاجات بدأ في سوق طهران بإغلاق محلات الصاغة والصرافين، إذ أدّى الارتفاع المفاجئ في أسعار الذهب وتدهور قيمة العملة الوطنية إلى تعطيل النشاط الاقتصادي لهذه الفئات، ما زاد من حدة الاستياء المعيشي، وهو استياء له جذور في سنوات من سوء الإدارة، والفساد الهيكلي، والعقوبات الدولية.
ووفقًا للصحيفة، سرعان ما انضم التجار في مناطق أخرى من طهران إلى هذه الاحتجاجات، وأغلقوا محلاتهم وتجمّعوا في الشوارع، ثم امتدت الاحتجاجات إلى مدن مثل أصفهان وشيراز وكرمانشاه ويزد. وفي بعض الحالات، شهدت الجامعات تجمعات احتجاجية، حيث ردّت القوات الأمنية باستخدام الغاز المسيل للدموع.
وفي أصفهان، قال أحد التجار في مقابلة مع 'لوموند'، إن قطع الكهرباء عن أحد المحلات من قِبل شخص واحد أدى إلى إغلاق عدة مجمعات تجارية وفي النهاية شارع كامل، ما يعكس تأثير المبادرة الفردية في اندلاع احتجاجات واسعة النطاق.
وذكرت 'لوموند' أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وعد، بنبرة متعاطفة، بالاستماع إلى المطالب 'المشروعة' للمتظاهرين، وكلف وزير الداخلية بإجراء حوار مع ممثليهم. كما شملت الإجراءات المعلنة ردًا على الأزمة تغيير إدارة البنك المركزي. ومع ذلك، أفادت التقارير بحدوث مواجهات محدودة لكنها متفرقة بين قوات الأمن والمتظاهرين.
كما أشارت الصحيفة إلى إرسال رسائل نصية تحذيرية لبعض المواطنين، حذّرتهم فيها من المشاركة في 'تجمعات غير قانونية' وهددت باتخاذ إجراءات صارمة حال استمرار الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه، تم إعلان عطلة رسمية لبضعة أيام في نهاية العام كجهد للحد من توسع الاحتجاجات.
وأكد التقرير أن ما يميز هذه الموجة الاحتجاجية هو مشاركة قطاعات فاعلة من الاقتصاد الرئيس للبلاد، وليس فقط مجموعات نخبوية أو طلابية، وهو ما قد يحمل تبعات أكثر خطورة على النظام، وفقًا للخبراء.
وأشار التقرير أيضًا إلى أن شعارات المتظاهرين تجاوزت المطالب الاقتصادية لتأخذ طابعًا سياسيًا واضحًا، من انتقادات مباشرة للقادة السياسيين إلى المعارضة لسياسات إيران الإقليمية، ما يعكس غضب الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل.
كما ربطت 'لوموند' الأوضاع الاقتصادية بالضغط المعيشي المتزايد، والانخفاض الكبير في القوة الشرائية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتجمّد الأجور، ما أجبر العديد من الأسر على شراء الاحتياجات الأساسية بنظام الأقساط.
واختتمت الصحيفة بالقول إن جذور الأزمة في إيران ليست محلية فقط، بل تتأثر أيضًا بتشديد العقوبات الدولية وسياسات البنك المركزي الأخيرة، التي يرى محللون أنها تخدم مصالح كبار المصدرين والمؤسسات المقربة من السلطة أكثر من دعم المستهلكين والمستوردين.
وخلص التقرير إلى أنه رغم اعتقاد بعض المراقبين بعدم احتمال انهيار النظام الإيراني فورًا، فإن عمق الاستياء الاجتماعي واستمرار الضغوط الاقتصادية يضع استقرار البلاد أمام غموض جدي.