في السنوات الأخيرة، تحولت التكنولوجيا من مجرد أداة خدمية إلى عنصر فاعل في الصراعات الدولية، وهو ما يتجلى بوضوح في الجدل الدائر حول خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك” التابعة لشركة سبيس إكس المملوكة لرجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك.
الجدل تصاعد بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن إمكانية تزويد المحتجين الإيرانيين بخدمة ستارلينك، ما فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول أبعاد هذه الخطوة، وما إذا كانت تمثل دعمًا لحرية التعبير أم شكلًا جديدًا من أشكال التدخل السياسي وربما الاستخباري.
ستارلينك كأداة نفوذ سياسي
تعتمد ستارلينك على آلاف الأقمار الصناعية التي توفر اتصالًا مباشرًا بالإنترنت دون الحاجة إلى بنية تحتية أرضية، وهو ما يمنحها قدرة فريدة على تجاوز سيطرة الدول على شبكات الاتصالات داخل حدودها. هذه الميزة جعلت الخدمة محط اهتمام في مناطق النزاعات والاحتجاجات، حيث تلجأ الحكومات أحيانًا إلى قطع الإنترنت كوسيلة للسيطرة على الأوضاع الداخلية، وفقا صحيفة نيوزويك الأمريكية.
من هذا المنطلق، ترى الولايات المتحدة أن توفير ستارلينك للمحتجين يندرج ضمن دعم حرية الوصول إلى المعلومات، بينما تعتبره إيران مساسًا مباشرًا بسيادتها وأمنها القومي.
التجسس المحتمل وحدود القانون الأمريكي
رغم أن ستارلينك لا تُصنّف رسميًا كأداة تجسس، فإن أي شبكة اتصالات تمر عبر شركة أمريكية تخضع في نهاية المطاف للقوانين الأمريكية.
هذه القوانين تسمح، في حالات تتعلق بالأمن القومي، بإصدار أوامر قضائية تلزم الشركات بتسليم بيانات تقنية معينة للجهات الحكومية.
هذه البيانات قد تشمل مواقع أجهزة الاستقبال، أنماط الاستخدام، وحجم حركة البيانات، وهي معلومات لا تكشف محتوى الاتصالات المشفّرة، لكنها قد توفر صورة عامة عن انتشار الخدمة ومناطق النشاط، وهو ما يمكن استثماره استخباراتيًا في سياق أوسع.
لماذا تخشى إيران ستارلينك؟
تخوف إيران لا ينبع فقط من احتمالات جمع البيانات، بل من فقدان السيطرة على الفضاء المعلوماتي داخل البلاد. فالاتصال المستقل بالإنترنت يعني صعوبة فرض الرقابة، وتراجع قدرة الدولة على التحكم في السرد الإعلامي خلال الأزمات. لذلك، تنظر طهران إلى ستارلينك كجزء من “حرب ناعمة” تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي، وليس مجرد خدمة تقنية محايدة.
هل نحن أمام حرب قريبة؟
حتى الآن، لا تشير المعطيات إلى حرب شاملة ومباشرة بين إيران وأمريكا في المدى القريب. فالحرب المفتوحة ستكون مكلفة للطرفين سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن أي مواجهة مباشرة قد تشعل المنطقة بأكملها، وتهدد إمدادات الطاقة العالمية.
في المقابل، تعلم إيران أن الدخول في حرب تقليدية مع قوة عظمى قد يعرّض بنيتها التحتية لخسائر جسيمة.
سيناريوهات الحرب المحتملة
السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار ما يُعرف بـ”حرب الظل”، والتي تشمل هجمات سيبرانية، عمليات استخباراتية، ضغطًا اقتصاديًا، ودعم أطراف إقليمية حليفة دون إعلان حرب رسمية. سيناريو آخر يتمثل في مواجهات عسكرية محدودة، سواء عبر ضربات دقيقة أو اشتباكات غير مباشرة في مناطق نفوذ مشتركة.
أما السيناريو الأقل احتمالًا فهو الحرب الشاملة، التي قد لا تحدث إلا في حال وقوع حدث كبير ومفاجئ، مثل هجوم مباشر واسع أو انهيار كامل لمسار التفاوض السياسي.
دور التكنولوجيا في الحروب القادمة
ما يميز المرحلة الحالية أن الصراع لم يعد يعتمد فقط على الجيوش والأسلحة التقليدية، بل أصبح مرتبطًا بالسيطرة على المعلومات والاتصال. ستارلينك، وغيرها من التقنيات المشابهة، قد تلعب دورًا حاسمًا في هذا النوع من الصراعات، حيث يصبح الإنترنت نفسه ساحة مواجهة بين الدول، وأداة للتأثير السياسي والاجتماعي.