ads
ads

حين تهتز أعمدة الدولار ويرتفع الذهب إلى أعلى مستوياته.. لماذا يخطط ترامب لزعزعة حصانة الفيدرالي السياسية؟

رئيس الفيدرالي
رئيس الفيدرالي

في لحظة فارقة تختلط فيها السياسة بالاقتصاد، قفز الذهب إلى قمم تاريخية بينما بدأت الثقة في أهم مؤسسات الولايات المتحدة تتآكل. تصريحات حذرة من رئيس الاحتياطي الفيدرالي، وهجمات غير مسبوقة من دونالد ترامب على استقلال البنك المركزي، ومخاوف متصاعدة من تسييس السياسة النقدية، كلها عوامل فجّرت عاصفة في الأسواق العالمية. لم يعد المشهد مجرد تقلبات أسعار أو جدل حول الفائدة، بل تحوّل إلى اختبار خطير لاستقلال الفيدرالي، واستقرار الدولار، ومتانة النظام المؤسسي الأمريكي، في وقت تتسارع فيه الضغوط الاقتصادية والانقسامات السياسية داخليًا وخارجيًا.

مخاوف بشأن قدرة الفدرالي على العمل بشكل مستقل

جاء الارتفاع اللافت في أسعار الذهب عقب تصريحات أدلى بها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي 'جيروم باول' ، فُسرت على نطاق واسع بأنها تحمل إشارات إلى استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، مع اعتراف ضمني بأن معركة السيطرة على التضخم لم تُحسم بعد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي أو دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة ركود محتملة.

وتُعد هذه الرسائل بمثابة إنذار للأسواق أكثر منها تطمينًا، إذ أدرك المستثمرون أن الدعم النقدي السريع غير مطروح في المدى القريب، وأن الضغوط الاقتصادية قد تستمر لفترة أطول مما كان متوقعًا، ونتيجة لذلك، اتجهت رؤوس الأموال بشكل مكثف نحو الذهب باعتباره الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات، ما أدى إلى قفزة حادة في الطلب مقابل معروض ثابت، ودفع الأسعار إلى مستويات قياسية، وفي المقابل تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 أعوام إلى 4.04%، مما عزز جاذبية الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب.

وأوضح باول خلال كلمته أمام 'الجمعية الوطنية لاقتصادات الأعمال' أن أخطار التباطؤ في سوق العمل اصبحت تفوق أخطار التضخم، مشيراً إلى أن التعرفات الجمركية رفعت معدل التضخم المفضل لدى 'الفيدرالي الأميركي' إلى 2.9%، لكنه أكد أن 'الضغوط التضخمية الأوسع تبدو تحت السيطرة'.

ترامب يصفي معارضيه داخل البلاد

تزامن الخطاب النقدي الحذر مع تصاعد أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يقتصر على خصوم واشنطن أو حلفائها في الخارج، بل امتد ليشمل معارضيه في الداخل الأمريكي. هذا النهج، الذي اتسم بالضغط على الإعلام والمؤسسات والمعارضين السياسيين، أثار مخاوف عميقة لدى الأسواق بشأن استقرار النظام السياسي نفسه، وهو ما دفع المستثمرين إلى التحوّط من مخاطر عدم اليقين المؤسسي عبر اللجوء إلى الذهب كملاذ آمن، في إشارة واضحة إلى أن تآكل الثقة السياسية بات عاملًا مباشرًا في تحريك الأسواق العالمية، جنبًا إلى جنب مع السياسات النقدية وأسعار الفائدة.

يؤكد محللون في الاندبنديت البريطانية أن صعود الذهب في هذه المرحلة لا يعكس قوة اقتصادية بقدر ما يعكس حالة خوف وعدم استقرار، إذ تتحرك الأسواق وفق قراءة ما بين سطور تصريحات الفيدرالي، لا الكلمات المباشرة، في ظل بيئة دولية مشحونة بالحروب والتوترات الجيوسياسية والضبابية الاقتصادية.

حيث تعد هذه التصريحات إشارة مباشرة إلى تصاعد التوتر بين البيت الأبيض ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، رغم بقاء 4 شهور فقط لولاية باول رئيساً للفدرالي، كانت الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترمب، قد شنت هجمات متكررة على الفدرالي العام الماضي، سعيًا للتأثير على قرارات أسعار الفائدة.

وتُشير هذه التطورات إلى مخاوف جدية بشأن قدرة الفدرالي على العمل بشكل مستقل، وهو ما انعكس مباشرة على انخفاض الثقة بالدولار، وارتفاع الذهب كأصل آمن،

وفي موازاة الاضطراب الاقتصادي، تشهد الساحة السياسية الأمريكية تصعيدًا داخليًا متسارعًا، مع عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد بخطاب أكثر حدة وشراسة، لم يعد يقتصر على مواجهة خصوم خارجيين أو الضغط على الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، بل امتد ليطال معارضيه داخل البلاد.

وأصبح واضحًا أن سياسة ترامب تقوم على معادلة صفرية لا تعترف بالاختلاف في الرأي، حيث يُنظر إلى أي معارضة سياسية أو إعلامية باعتبارها تهديدًا مباشرًا، ما أدى إلى تصاعد الهجمات على الإعلام، والضغوط على المؤسسات، وحملات التشويه ضد شخصيات سياسية وقضائية، الأمر الذي خلق مناخًا من القلق داخل الأوساط السياسية وحتى داخل الحزب الجمهوري نفسه.

اعتداء سياسي يهز استقلال الفيدرالي

والسبب في تفجير هذه العاصفة هو التشكيك العلني في استقلالية البنك المركزي الأمريكي، فمجرد تلويح الإدارة الأمريكية بإمكانية ملاحقة رئيس الفيدرالي قضائيًا، اعتبرته الأسواق إشارة خطيرة إلى تدخل سياسي مباشر في سياسة أسعار الفائدة.

هذا القلق انعكس فورًا على الدولار الأمريكي الذي تعرض لضغوط قوية، كما تراجعت مؤشرات وول ستريت، في وقت أعاد فيه المستثمرون ترتيب محافظهم لصالح الأصول الملموسة التي لا تخضع لقرارات السياسيين أو البنوك المركزية.

حيث يثير تصاعد هجوم دونالد ترامب على البنك الاحتياطي الفيدرالي مخاوف متزايدة بشأن استقلالية السياسة النقدية في الولايات المتحدة، رغم أن الفيدرالي يتمتع قانونيًا باستقلال كامل عن السلطة التنفيذية. إلا أن ترامب اعتاد توجيه انتقادات حادة للفيدرالي ورئيسه، معتبرًا أن سياسات رفع أسعار الفائدة تعرقل النمو الاقتصادي وتضعف فرصه السياسية، خصوصًا في الفترات الانتخابية.

ويعكس هذا الهجوم رغبة ترامب في دفع الفيدرالي نحو سياسات نقدية أكثر تيسيرًا تدعم الأسواق والوظائف على المدى القصير، حتى وإن جاءت على حساب مخاطر التضخم والاستقرار طويل الأجل. هذا النهج، غير المسبوق في حدّته من رئيس أمريكي معاصر، دفع المستثمرين إلى القلق من تسييس القرار النقدي، وهو ما ساهم في اهتزاز الثقة بالدولار وزيادة الإقبال على الذهب كملاذ آمن.

وفي هذا السياق، لا يُعزى الارتفاع الكبير في أسعار الذهب إلى السياسة النقدية وحدها، بل يتداخل معه العامل السياسي بقوة، حيث يدفع الخوف من اضطرابات داخلية محتملة، وتآكل التوازنات الديمقراطية، المستثمرين إلى البحث عن أدوات تحوط تحمي أموالهم من تقلبات غير محسوبة.

السيطرة على السياسة النقدية لخدمة الأجندة السياسية

تقارير تحليلية غربية ترى أن ترامب يسعى لتحويل البنك الاحتياطي الفيدرالي من مؤسسة مستقلة تتخذ قراراتها استنادًا للبيانات الاقتصادية، إلى أداة لخدمة الأهداف السياسية والانتخابية، والهدف هو خفض أسعار الفائدة بشكل أسرع من المألوف لدعم النمو الاقتصادي على المدى القصير، ما قد يفيده انتخابيًا، حتى لو أدى ذلك إلى مخاطر تضخمية أو فرض ضغوط على الميزانية.

وهنا يأتي السؤال إلى أي مدى يمكن أن يضعف الدولار إذا اهتزت استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، البنك المركزي للولايات المتحدة؟ هذا السؤال برز بقوة بعد أن كشف جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، علنًا في 12 من الشهر عن تعرضه لتهديدات بملاحقات جنائية تتعلق بأعمال تجديد مبنى الفيدرالي. وسرعان ما انعكس ذلك على أسواق الصرف العالمية، إذ تراجع الدولار أمام اليورو والين، في حين قفزت أسعار الملاذات الآمنة البديلة مثل الذهب والفضة. وفسّرت الأسواق هذه التطورات ليس باعتبارها نزاعًا قانونيًا عاديًا، بل كـ'هجوم مباشر على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي'.

ومن النادر تاريخيًا أن يصبح رئيس بنك مركزي هدفًا لتحقيق جنائي في التاريخ الأمريكي الحديث، وهو ما دفع وسائل إعلام دولية كبرى إلى وصف ما يحدث بأنه 'اختبار حقيقي للأعمدة المؤسسية التي يستند إليها الدولار'

ويرى خبراء أن قوة الدولار لا تقوم فقط على حجم الاقتصاد الأمريكي، بل على مزيج من ثلاثة أعمدة رئيسية: أسعار الفائدة، ومصداقية السياسات، والاستقرار المؤسسي، فالثقة في أن الاحتياطي الفيدرالي يعمل بمعزل عن التدخل السياسي تجعل السياسة النقدية قابلة للتوقع، وتمنح سندات الخزانة الأمريكية صفة «الأصول الخالية من المخاطر'

ترامب يدفع الفدرالي نحو "هيمنة مالية"

صحيفة وول ستريت جورنال حذّرت من أن الضغوط السياسية المتزايدة التي يمارسها الرئيس الأمريكي على رئيس الاحتياطي الفيدرالي قد تدفع الولايات المتحدة نحو حالة تُعرف اقتصادياً بـ'الهيمنة المالية'، حيث يصبح دور البنك المركزي أداة لخدمة أولويات الإنفاق الحكومي بدلاً من إدارة التضخم والنمو المستدام، وأشارت الصحيفة إلى أن تحول الفيدرالي نحو تنفيذ أهداف سياسية على حساب استقلاليته قد يقوض استقرار الأسعار ويُجلب مخاطر تضخمية مماثلة لتلك التي شهدتها بعض الاقتصادات في الماضي، حتى لو لم تظهر آثارها الفورية.

وفي مقابلة عبر قناة فوكس نيوز قال ترامب صراحة 'نحن بصدد وضع شخص في الفدرالي سيكون قادرا على خفض أسعار الفائدة'، في إشارة إلى نيته تعيين رئيس جديد مبكرا رغم أن ولاية باول لن تنتهي قبل مايو 2026.وهذه التصريحات وفقا للصحيفة لا تعكس فقط تفضيل ترامب لبيئة فائدة منخفضة، بل تشير إلى تحول خطير في فلسفة السياسة النقدية: استخدام الفائدة المنخفضة أداة لتمويل العجز الضخم في الموازنة بدلا من استهداف التضخم والنمو المستدام.

رفع العجز بشكل كارثي

وأوضح تقرير الصحيفة أن فاتورة 'مشروع 'القانون الكبير الجميل' التي أقرها الكونجرس مؤخرا سترفع العجز من 1.8 تريليون دولار (6.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024) إلى 3 تريليونات دولار (7.1%) خلال عقد، وفق لجنة الميزانية الفدرالية المسؤولة، ومع تمديد التخفيضات الضريبية المؤقتة يمكن أن يصل العجز إلى 3.3 تريليونات (7.9%).

لكن الأكثر إثارة للقلق أن إدارة ترامب تخطط لتقليل إصدار سندات طويلة الأجل، والتركيز بدلا من ذلك على أذون الخزانة قصيرة الأجل بهدف كبح ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل.

لكن هذا النهج محفوف بالمخاطر، إذ إن أي قفزة مفاجئة في الفائدة قصيرة الأجل ستنعكس مباشرة على تكلفة خدمة الدين، مما يضع ضغطا فوريا على الميزانية الفدرالية.

مشروع "القانون الكبير الجميل"

حذرت مجلة 'إيكونوميست' أبرز ما في 'القانون الكبير الجميل' هو تمديد التخفيضات الضريبية التي أقرها ترامب في ولايته الأولى، والتي كانت من المفترض أن تنتهي قريبًا، ورغم أن الجمهوريين يروّجون لهذه الخطوة باعتبارها 'إبقاءً على الوضع القائم'، إلا أن إيكونوميست تؤكد أن 'الوضع القائم غير قابل للاستمرار أصلًا'.

وتُشير الأرقام الرسمية إلى أن العجز في الميزانية الأميركية بلغ 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر الـ12 الماضية، ومع تطبيق القانون الجديد، من المتوقع أن تستمر هذه النسبة المرتفعة، ليتجاوز الدين الأميركي نسبة 106% من الناتج خلال عامين فقط، وهو ما يعادل أعلى مستوى سُجّل بعد الحرب العالمية الثانية.

ورغم الإيرادات الناتجة عن الرسوم الجمركية، فإنها لا تكفي لوقف تصاعد الدين، ما يعني أن 'الانزلاق نحو أزمة مالية سيستمر بلا كوابح'، على حدّ تعبير المجلة.

وفي الوقت الذي تتجه فيه معظم الدول المتقدمة إلى رفع سن التقاعد لمواجهة شيخوخة السكان، يختار القانون الأميركي الجديد الاتجاه المعاكس: تخفيضات ضريبية لفئة المتقاعدين، مقابل خفض تمويل 'ميديكيد' وهو برنامج التأمين الصحي للفقراء.

وتوقعت التقديرات الرسمية أن يؤدي ذلك إلى حرمان نحو 12 مليون أميركي من التأمين الصحي، في بلد يُفترض أنه الأغنى عالميًا.

أزمة ديمقراطية تشريعية

المجلة لم تغفل عن انتقاد الطريقة التي أُقرّ بها القانون، مشيرة إلى أن تمريره عبر ما يُعرف بآلية 'التصويت الجماعي' داخل مجلس الشيوخ، كشف عن 'اختلال جوهري في قدرة النظام التشريعي الأميركي على التدقيق والإصلاح'.

وذكرت أن 'أحزاب الحكم لا تحظى بسوى فرصة واحدة في السنة لتمرير قانون ضريبي أو إنفاقي بأغلبية 51 صوتًا فقط، ما يدفعها لتكديس كل شيء في مشروع واحد، بغض النظر عن الجودة والمضمون'.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً