تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد متزامن للتوترات العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة وإيران، وهي توترات لم تعد تقتصر على التصريحات، بل انعكست ميدانيًا في تحركات عسكرية، تدريبات دفاعية، وإجراءات إخلاء لقواعد استراتيجية، بالتوازي مع احتجاجات داخلية غير مسبوقة تهز الداخل الإيراني، ما يجعل المنطقة بأكملها أمام احتمالات تصعيد قد يتجاوز حدود المواجهة التقليدية.
في هذا السياق، كشفت التطورات العسكرية الأخيرة عن تصعيد ملحوظ في الاستعدادات الأمريكية، حيث أجرت القوات الأمريكية تدريبات مكثفة في الكويت ركزت على مواجهة تهديدات الطائرات بدون طيار، في وقت تتخذ فيه واشنطن قرارات توحي بقرب توجيه ضربة محتملة ضد طهران. هذه التدريبات لم تأتِ بمعزل عن المشهد الإقليمي، بل جاءت في إطار قراءة أمريكية لاحتمالات الرد الإيراني على أي هجوم إسرائيلي أو أمريكي محتمل.
تدريبات أمريكية في الكويت
مؤخرًا، أكملت القوات الأمريكية تمرينًا متقدمًا لمواجهة الطائرات بدون طيار في الكويت، بقيادة كويتية وبمشاركة الولايات المتحدة والبحرين والمملكة المتحدة، وركز التمرين على تعزيز القدرات المشتركة للكشف عن الطائرات بدون طيار وتتبعها وإسقاطها من خلال منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات. ويعكس هذا الطابع التشاركي للتمرين إدراكًا متزايدًا بأن أي مواجهة مقبلة لن تكون ثنائية، بل ستطال شبكة واسعة من الحلفاء، وفقاً لصحيفة 'فاينتشال تايمز'
التمرين، الذي حمل اسم 'سكاي شيلد'، لم يكن مجرد تدريب روتيني، بل استهدف بشكل مباشر رفع مستوى التكامل العملياتي بين القوات المتحالفة، خصوصًا في مواجهة الطائرات بدون طيار منخفضة التكلفة، التي باتت عنصرًا حاسمًا في العقيدة العسكرية الإيرانية. وقد تجسد ذلك ميدانيًا في إطلاق صواريخ مضادة للمسيرات في سماء الكويت، حيث أضاءت السماء نتيجة الاختبارات الحية للأنظمة الدفاعية، في رسالة واضحة تؤكد الجدية في الاستعداد لمواجهة تهديدات جوية متزايدة التعقيد.
ماهو تدريب "سكاي شيلد"؟
تدريب «سكاي شيلد» هو مناورات عسكرية جوية ودفاع جوي مشتركة تُنظم بين قوات من عدة دول بهدف تعزيز القدرات القتالية والتنسيق العملياتي في حماية الأجواء من التهديدات الجوية المتطورة، يركز هذا التدريب على مواجهة التهديدات الجوية، تأمين المجال الجوي، تنفيذ عمليات دفاع جوي واسترجاع وحدات الطيران بحسب سيناريوهات معقدة تتضمن كشف وتتبع الأهداف، تبادل المعلومات بين وحدات الرادار والطائرات، ومناورات مشتركة بين القوات المشاركة لتعزيز قابلية العمل المشترك. في بعض النسخ الحديثة، مثل النسخة التي قادتها دولة الكويت بمشاركة الولايات المتحدة وبريطانيا والبحرين، ركز التدريب على تعزيز قدرات مكافحة الطائرات بدون طيار (الدرونز) ضمن بنية دفاع جوي متعددة الطبقات، شملت تدريبًا عمليًا على اكتشاف وتعقب والتعامل مع هذه الطائرات باستخدام أنظمة الرادار المتقدمة والصواريخ المضادة.
كما تتضمن بعض إصدارات التدريب، مثل 'سكاي شيلد III'، سيناريوهات دفاع جوي ثنائي بين الولايات المتحدة وقوات جوية إقليمية للتحقق من قدرة الطائرات المقاتلة على الدفاع عن الأجواء على مستوى المنطقة وتنفيذ عمليات البحث والإنقاذ القتالي والتزود السريع بالوقود في مواقع متعددة.
يُعدُّ هذا التمرين منصة مهمة لتبادل الخبرات بين الدول المشاركة في مجال الدفاع الجوي وتكامل الأنظمة التقنية والتكتيكية، كما يُظهر التزامها بترسيخ آليات التنسيق الأمني والدفاعي لمواجهة التحديات الجوية الحديثة، بما في ذلك الطائرات المسيرة والتهديدات متعددة الأهداف.
اختبار نظام إيجلز
وفي هذا السياق عزز الجيش الأمريكي هذه الرسائل باختبار حي لنظام 'إيجلز' (EAGLS) المضاد للطائرات بدون طيار، والذي يعتمد على صواريخ موجهة بالليزر لإسقاط الأهداف الجوية، وذلك خلال نفس التمرين في نهاية ديسمبر الماضي، ويُنظر إلى هذا النظام بوصفه حلًا منخفض التكلفة لمواجهة الطائرات بدون طيار الصغيرة، ما يعكس توجهًا أمريكيًا لتطوير أدوات ردع عملية يمكن استخدامها على نطاق واسع في حال اندلاع مواجهة مفتوحة، وسط غموض لا يزال يحيط بمسألة بقاء القوات الأمريكية في الكويت بعد انتهاء التدريب، وفقاً لوكالة رويترز.
وهذه التحركات لا يمكن فصلها عن سيناريو محتمل يتمثل في لجوء إيران إلى تحريك أسراب من الطائرات المسيرة للرد على أي ضربات تستهدفها، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهو سيناريو يضع القوات الأمريكية المنتشرة في الخليج، خاصة في الكويت، في موقع متقدم للتصدي لمثل هذه الهجمات إذا ما كانت لا تزال متمركزة هناك، وتعزز هذه الفرضية حقيقة أن إيران تعتمد بشكل متزايد على الطائرات بدون طيار كأداة منخفضة التكلفة ومرتفعة التأثير في استراتيجيتها العسكرية.
لماذا التركيز على الطائرات بدون طيار؟
إيران تدرك أن ضرب أهداف أمريكية مباشرة سيستدعي ردًا ساحقًا، والمواجهة التقليدية لا تصب في صالحها لذلك تعتمد على حرب الإزعاج الاستراتيجي:
أسراب مسيرات
ضربات منخفضة التكلفة
استنزاف دفاعات الخصم
خلق حالة عدم يقين سياسي أكثر من نصر عسكري
من هنا، فإن تركيز واشنطن على الدفاع الجوي منخفض التكلفة يعني أنها تحاول إبطال السلاح الإيراني الأهم قبل بدء المواجهة، وليس أثناءها.

وبينما تتصاعد هذه الاستعدادات العسكرية، بدأت الولايات المتحدة في اتخاذ خطوات احترازية أكثر وضوحًا، تمثلت في إجلاء مئات الجنود من قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي خطوة فسرتها مصادر متعددة على أنها استعداد لعمل عسكري محتمل ضد إيران. وجاء هذا الإجراء في توقيت بالغ الحساسية، تزامنًا مع تصاعد الاحتجاجات داخل إيران وتهديدات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتخاذ إجراءات قوية إذا واصلت السلطات الإيرانية قمع المتظاهرين.
في المقابل، ردت إيران بتصعيد موازٍ في لهجتها السياسية، محذرة دول المنطقة من أن القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها ستصبح أهدافًا مشروعة في حال تعرضها لهجوم أمريكي. وأكد مسؤولون إيرانيون أن طهران أبلغت دولًا إقليمية، من بينها السعودية والإمارات، بأنها سترد على أي عمل عسكري أمريكي، وهو ما يوسع دائرة المخاطر لتشمل دول الخليج بشكل مباشر.
ضربات محتملة لمنظومة الصواريخ الباليستية
وفي واشنطن، لا يبدو أن الخيارات المطروحة تقتصر على المسار العسكري فقط، إذ يدرس ترامب مزيجًا من الأدوات الدبلوماسية والعسكرية في التعامل مع إيران، تشمل ضربات محتملة على البرنامج النووي ومنظومات الصواريخ الباليستية، إلى جانب الإبقاء على نافذة ضيقة للحلول السلمية. وتشير تقارير إلى أن البنتاجون قدم للرئيس الأمريكي قائمة واسعة من الخيارات، تمتد من أهداف عسكرية مباشرة إلى مواقع غير عسكرية داخل طهران، في إطار سياسة ضغط قصوى.
وتتجاوز هذه الخيارات حدود الضربات التقليدية، حيث أفادت تقارير صادرة عن مجلس العلاقات الخارجية بأن ترامب يدرس استهداف الحرس الثوري الإيراني وقياداته العليا، إلى جانب شن هجمات إلكترونية ودعم المتظاهرين عبر الإنترنت، في محاولة لتقويض قدرات القمع لدى النظام الإيراني. ويؤكد مسؤولون أمريكيون أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى إضعاف بنية النظام من الداخل، وليس فقط ردعه عسكريًا من الخارج.
هذا التصعيد الأمريكي انعكس بدوره على إسرائيل، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي حالة التأهب تحسبًا لسيناريوهات مفاجئة، وسط تقديرات بأن أي ضربة أمريكية لإيران قد تشعل حربًا إقليمية واسعة. وقد أكد ترامب في أكثر من مناسبة أنه يدرس تنفيذ ضربات قوية حتى قبل الدخول في أي مفاوضات، ما يزيد من حالة عدم اليقين في المشهد الإقليمي.
وفي خضم هذا التصعيد، حذرت تقارير تحليلية صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية من مخاطر الربط المباشر بين الضغوط العسكرية والاحتجاجات الداخلية في إيران، داعية إلى تبني مقاربة تربط رفع العقوبات بإصلاحات داخلية بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية قد تأتي بنتائج عكسية على الاستقرار الإقليمي.
وفي انتظار القرار النهائي، تشير تقارير إلى أن اجتماعًا مرتقبًا في البيت الأبيض سيحسم الخطوات التالية تجاه إيران، وسط تسريبات عن خيارات تشمل استخدام قاذفات B-2 لضرب منشآت نووية، في وقت يواصل فيه ترامب توجيه رسائل مباشرة للمتظاهرين الإيرانيين، مؤكدًا أن “المساعدة في الطريق”.اجتماع قرب في البيت الأبيض لتحديد الخطوات ضد إيران
على الأرض، تظل دولة قطر في قلب هذا المشهد المعقد، إذ تستضيف قاعدة العديد الجوية، أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، والتي تضم نحو عشرة آلاف جندي وتشكل المقر الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية، وقد أثبت نظام صواريخ باتريوت القطري، المدعوم بالتعاون مع الولايات المتحدة، قدرته على اعتراض التهديدات الباليستية الإيرانية، كما حدث في يونيو 2025 حين نجحت البطاريات القطرية والأمريكية في اعتراض صواريخ كانت موجهة نحو القاعدة.
غير أن هذه النجاحات لم تحجب حقيقة وجود ثغرات في منظومة الدفاع الجوي القطرية، إذ كشفت غارة إسرائيلية مفاجئة في سبتمبر 2025 عن إخفاق الدفاعات والرادارات القطرية، بما فيها بطاريات باتريوت، في اعتراض الصواريخ القادمة، ما سلط الضوء على مشكلات تتعلق بالتغطية الرادارية المحدودة وصعوبة التعامل مع الهجمات المكثفة والمتزامنة.
انسحاب بعض القوات الأمريكية من قاعدة العديد القطرية
في ظل هذه المعطيات، جاءت خطوة تقليص الوجود الأمريكي والبريطاني في قاعدة العديد خلال الساعات الماضية لتزيد من المؤشرات على اقتراب مرحلة أكثر خطورة، حيث وصفت التقارير الإعلامية هذه الخطوة بأنها إجراء احترازي مرتبط بتصعيد عسكري محتمل. وأكد بيان للحكومة القطرية أن هذا التقليص يأتي استجابة للتوترات الإقليمية الراهنة، في وقت نصح فيه دبلوماسيون بعض الأفراد بمغادرة القاعدة، مؤكدين أن الأمر يمثل “تغييرًا في الموقف” وليس إجلاءً كاملًا.
جدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلوح بإمكانية توجيه ضربة عسكرية ضد إيران، متذرعًا بحجة الاحتجاجات التي تحدث في إيران، في الوقت الذي حذر فيه مسؤولون إيرانيون مؤكدين أن إيران سترد على أي عمل عسكري أمريكي، وأن الرد سيشمل أهدافًا إسرائيلية.
وكانت الاحتجاجات بدأت في إيران أواخر ديسمبر عام 2025، بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية، وتركزت الاحتجاجات بشكل أساسي على التقلبات الحادة في سعر الصرف وتأثيرها على أسعار الجملة والتجزئة.
وتحولت الاحتجاجات، في عدة مدن إيرانية، إلى اشتباكات مع الشرطة، وترافقت مع هتافات مناهضة للنظام السياسي في إيران، لكن خرجت عدة مسيرات مليونية، في مختلف مدن إيران، دعما للنظام في إيران، ورفضا للاحتجاجات المناوئة للنظام.
وأعلن البيت الأبيض أن فريق الأمن القومي الأمريكي عقد اجتماعًا الثلاثاء الماضي، لمناقشة خيارات التعامل مع إيران، دون حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وذكر موقع أكسيوس، المقرب للبيت الأبيض الأمريكي، عن مسؤول أمريكي قوله: 'إن أعضاء في الإدارة الأمريكية فوجئوا برفض ترامب دعم رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، رغم عقد لقاء يُعد الأول لإدارة ترامب مع المعارضة الإيرانية منذ بدء الاحتجاجات'.
وأشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن 'التقديرات تشير إلى أن ترامب قد يلجأ إلى توجيه ضربة لإيران بهدف إجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق يخدم مصالحه، مع تأكيدات بأن قرار التدخل قد اتُخذ بالفعل، لكن توقيته وحدوده لا تزال غير واضحة'.