في خطوة استراتيجية غير مسبوقة، شهدت أسواق الأسهم الأميركية ارتفاعًا لافتًا في أسهم شركات التعدين العاملة في مجال المعادن النادرة، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق أول احتياطي استراتيجي للمعادن الحيوية مخصص للقطاع الخاص الأميركي، تحت مسمى Project Vault، يأتي هذا المشروع في وقت حاسم، حيث تتزايد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، مع هيمنة الأخيرة شبه المطلقة على تعدين وتصنيع المعادن الحيوية المستخدمة في التكنولوجيا الحديثة والدفاع والأبحاث العلمية.
ويهدف المشروع إلى حماية الصناعة الأميركية من أي نقص محتمل في هذه الموارد الأساسية، من خلال دمج استثمارات خاصة بقيمة 2 مليار دولار مع قرض حكومي بقيمة 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأميركي، في محاولة لضمان عدم تعرض الشركات والعاملين الأميركيين لأي اضطرابات في الإمدادات. ويمثل هذا الاحتياطي نموذجًا متطورًا يشبه الاحتياطي الاستراتيجي النفطي، لكنه يركز على المعادن الحيوية مثل الجرمانيوم، الغاليوم، والكوبالت، وهي عناصر أساسية في تشغيل الإلكترونيات، السيارات الكهربائية، الروبوتات، وأنظمة الدفاع.
وتشير التقديرات إلى أن الصين وروسيا تهيمنان على إنتاج هذه المعادن الحيوية، حيث تنتج الصين نحو 67% من الجرمانيوم العالمي، بينما تنتجان معًا حوالي 90% من الجرمانيوم والغاليوم، مما يجعل الولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى تنويع سلاسل التوريد وتعزيز الأمن الصناعي. ومن هنا، برزت أهمية الابتكار المحلي من خلال شركات مثل LightPath Technologies، التي طورت بدائل محلية للجرمانيوم المستخدم في أنظمة التصوير بالأشعة تحت الحمراء، بما يدعم الصناعات العسكرية والتجارية على حد سواء.
ويأتي المشروع في ظل طلب متزايد على التقنيات الحديثة التي تعتمد على المعادن الحيوية، من السيارات الكهربائية والروبوتات إلى الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية، مما يجعل Project Vault خطوة محورية لضمان استقلالية الولايات المتحدة واستقرار سلاسل التوريد الاستراتيجية، وتقليص تأثير القيود الصينية على السوق العالمي.
احتياطي استراتيجي للمعادن
قفزت أسهم شركات التعدين الأميركية المدرجة للمعادن النادرة في التداولات السابقة على فتح السوق يوم الثلاثاء، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إنشاء احتياطي استراتيجي للمعادن الحيوية.
ارتفع سهم Critical Metals بنسبة 6.4%، وسجل سهم USA Rare Earth صعوداً بنسبة 4.3%، فيما زاد سهم MP Materials نحو 4%، كما صعدت أسهم Energy Fuels بنسبة 5.6%، وارتفع سهم Idaho Strategic Resources بنسبة 6.2%، وسجل سهم NioCorp Developments ارتفاعاً بنسبة 3.7%.
وجاءت هذه التحركات بعد أن كشف ترامب، عن تفاصيل مشروع Project Vault، وهو أول احتياطي استراتيجي من نوعه للمعادن الحيوية مخصص للقطاع الخاص الأميركي.
استثمارات بقيمة 2 مليار دولار
وأوضح الرئيس الأميركي أن المشروع سيجمع استثمارات خاصة بقيمة 2 مليار دولار مع قرض من بنك التصدير والاستيراد الأميركي بقيمة 10 مليارات دولار.
وقال ترامب في المكتب البيضاوي: 'لسنوات، كان على الشركات الأميركية مواجهة خطر نفاد المعادن الحيوية أثناء تقلبات السوق. واليوم نطلق ما سيعرف بمشروع Project Vault، لضمان ألا تتعرض الشركات والعاملون الأميركيون لأي أضرار بسبب أي نقص'.
وأضاف: 'لا نريد أبداً أن نمر بما واجهناه قبل عام رغم أن الوضع آنذاك انتهى بشكل جيد'، وتابع: «تماماً كما لدينا احتياطي نفط استراتيجي ومخزون من المعادن الحيوية للدفاع الوطني، نحن الآن نخلق هذا الاحتياطي للصناعة الأميركية، لضمان عدم مواجهة أي مشاكل».
مناورات جيوسياسية بين أمريكا والصين
وتأتي المعادن النادرة في صلب المناورات الجيوسياسية بين امريكا والصين، أكبر اقتصادين في العالم، لتصبح أداة تفاوض مهمة في النزاع التجاري والاستراتيجي بينهما.
من المؤكد أن الصين تتصدر سلسلة توريد المعادن الحيوية بلا منازع، حيث تمثل نحو 60% من تعدين المعادن النادرة في العالم، وأكثر من 90% من تصنيع المغناطيسات.
وتُعد المعادن النادرة، وهي مجموعة فرعية من المعادن الحيوية، مكوّناً من 17 عنصراً في الجدول الدوري، تمتلك خصائص مغناطيسية فريدة نتيجة تركيبها الذري، وتُعتبر هذه المواد مكونات أساسية في مجموعة واسعة من التقنيات الحديثة، بدءاً من الإلكترونيات اليومية مثل الهواتف الذكية، وصولاً إلى السيارات الكهربائية والمعدات العسكرية.
ومن منظور الصناعة، من المهم للغاية أن تتخذ الولايات المتحدة «خطوات حاسمة» لتعزيز استقرار المعادن النادرة، وفق ما أكده ويد سينتي، رئيس شركة Advanced Magnet Lab المصنعة للمغناطيسات ومقرها فلوريدا.
وقال سينتي لـCNBC عبر البريد الإلكتروني: «لكن بالنظر إلى المستقبل، الأهم هو استخدام هذه المعادن في المغناطيسات الدائمة التي تشغّل تقنيات المستقبل — من السيارات الكهربائية إلى الروبوتات البشرية»
وأضاف: «يمكن للتكنولوجيا المبتكرة للمغناطيسات الدائمة العمل مع مجموعة واسعة من المعادن الحيوية المختلفة — وليس النيوديميوم فقط — مما يمنح أميركا المزيد من الخيارات والأدوات لتعزيز أمن سلسلة التوريد».تعمل شركة 'لايت باث تكنولوجيز' الأميركية، المتخصصة في البصريات والفوتونيات ومقرها أورلاندو بولاية فلوريدا، على تطوير بدائل للمعادن النادرة المستخدمة في الصناعات العسكرية عبر تقنياتها الخاصة.
وحصلت الشركة على تصنيف 'شراء' من بنك كاناكورد جينيتي الذي بدأ تغطية أبحاثها، مشيراً إلى أن عملها في تطوير مكونات بصرية وأنظمة تصوير بالأشعة تحت الحمراء باستخدام موارد أميركية وأوروبية يعد مؤشراً إيجابياً للأسهم، وفق تقرير شبكة CNBC الخميس 29 يناير/كانون الثاني.
هيمنة الصين وروسيا على السوق
قال محلل بنك كاناكورد جينيتي، أوستن مولر، إن الصين تهيمن منذ فترة طويلة على سوق المعادن النادرة، حيث تنتج %67 من الجرمانيوم العالمي، وهو عنصر أساسي في تطوير أنظمة التصوير العسكري والاتصالات بالألياف البصرية والخلايا الشمسية.وأوضح أن الصين وروسيا تنتجان معاً %90 من الجرمانيوم والغاليوم، وهما عنصران حيويان في تقنيات الأشعة تحت الحمراء.
وأضاف أن القيود التي فرضتها الصين على تصدير هذه المعادن منذ 2024 أدت إلى تراجع واردات أميركا من الجرمانيوم بنسبة %8.3 في 2024، ثم انخفاض صادم بلغ %76 على أساس سنوي بين مايو ويوليو 2025.
ابتكار بديل محلي
تنتج 'لايت باث' مركباً كيميائياً يسمى 'تشالكوجينيد' يمكن دمجه في تصميمات الكاميرات الحرارية كبديل للجرمانيوم، ويعتمد إنتاج مادة 'بلاك دايموند' الزجاجية على ترخيص حصري من مختبر الأبحاث البحرية الأميركي.
وأوضح مولر أن هذه المادة المنتجة محلياً أقل كثافة وأخف وزناً وأرخص تكلفة مقارنة بالمعدات البصرية المعتمدة على الجرمانيوم، مشيراً إلى أن الشركة بدأت تسويق كاميرات حرارية خالية من الجرمانيوم، مع إمكانية تحويل الكاميرات الحالية لاستخدام هذه التقنية.
دور في سلسلة توريد الطائرات المسيّرة
أكد بنك كاناكورد أن 'لايت باث' تمثل أيضاً جزءاً من سلسلة توريد الطائرات المسيّرة، حيث يخطط البنتاغون لشراء مليون طائرة مسيّرة خلال العامين إلى الثلاثة المقبلة.
وفي سبتمبر الماضي، حصلت الشركة على استثمار بقيمة 8 ملايين دولار من شركتي 'أونداس هولدينغز' و'أنيوجوال ماشينز' المصنعين للطائرات المسيّرة لاستخدام تقنياتها.
وأضاف البنك أن استراتيجية الشركة للتوسع في بيع أنظمة الكاميرات الكاملة ذات الأسعار الأعلى وهوامش الربح الأكبر، مع التركيز على سوق التصوير بالأشعة تحت الحمراء، ستدعم نمو أعمالها بقوة خلال الأعوام المقبلة في ظل الطلب القوي من قطاعات الدفاع والسلامة العامة والتفتيش الصناعي.
وحدد البنك هدفاً سعرياً لمدة 12 شهراً عند 15 دولاراً للسهم، ما يعني ارتفاعاً يقارب %33 من إغلاق الأربعاء، فيما ارتفعت أسهم الشركة %280 خلال الأشهر الستة الماضية.
يشير التقرير إلى أن ابتكار 'لايت باث' في إنتاج بدائل محلية للجرمانيوم يعزز قدرة أميركا على مواجهة هيمنة الصين وروسيا في سوق المعادن النادرة'.