بإعلان رسمي أنهت فيه موسكو التزامها بآخر معاهدة نووية تجمعها بالولايات المتحدة، دخل العالم مرحلة جديدة من الغموض الاستراتيجي، تُطوى معها صفحة استمرت لعقود من ضبط التسلح النووي بين القوتين الأعظم.
القرار الروسي لا يعكس مجرد انتهاء اتفاق قانوني، بل يؤشر إلى تحول أعمق في طبيعة الصراع الدولي، حيث تتراجع القيود وتتصاعد الحسابات العسكرية، في لحظة عالمية مشحونة بالأزمات والحروب المفتوحة.
انتهاء آخر اتفاق نووي بين موسكو وواشنطن
أعلنت روسيا رسميًا أنها لم تعد ملزمة بالمعاهدة النووية الأخيرة مع الولايات المتحدة، في خطوة تمثل تحولًا خطيرًا في بنية الأمن الدولي ونظام الحد من التسلح الذي استمر لعقود.
وجاء الإعلان في بيان صادر عن وزارة الخارجية الروسية عقب انتهاء صلاحية معاهدة «نيو ستارت» في الخامس من فبراير 2026، لتغلق بذلك آخر نافذة قانونية كانت تضبط حجم الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم.
المعاهدة، التي وُقّعت عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ في 2011، كانت تُعد حجر الأساس الأخير في منظومة الاتفاقات النووية بين موسكو وواشنطن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.
وقد حدّت «نيو ستارت» من عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة لدى كل طرف، وفرضت آليات تفتيش وتبادل بيانات ساهمت في تقليل مخاطر سوء التقدير والمواجهة غير المقصودة. بانتهاء العمل بها دون اتفاق بديل، يدخل النظام الدولي مرحلة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
ماذا يعني غياب القيود والرقابة النووية عمليًا؟
في بيانها، أكدت الخارجية الروسية أن انتهاء صلاحية المعاهدة يعني سقوط جميع الالتزامات المتبادلة، بما في ذلك القيود الرقمية وآليات الشفافية، مشددة على أن موسكو ستتعامل مع واقع أمني جديد «بحرية كاملة في اتخاذ ما يلزم لحماية أمنها القومي».
وفي الوقت نفسه، حاول البيان إظهار قدر من الانفتاح الدبلوماسي، معتبرًا أن روسيا لا تزال مستعدة للحوار إذا توافرت «شروط واقعية ومتوازنة»، لكنها لن تلتزم من جانب واحد بقيود لم تعد قائمة قانونيًا.
انتهاء «نيو ستارت» لم يكن مفاجئًا من الناحية الإجرائية، إذ إن المعاهدة كانت قد مُدّدت مرة واحدة فقط عام 2021 لمدة خمس سنوات، من دون وجود بند يسمح بتمديد إضافي.
غير أن السياق السياسي والأمني الذي انتهت فيه المعاهدة يجعل تداعياتها أكثر خطورة، في ظل الحرب الأوكرانية، وتدهور العلاقات الروسية الأميركية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وتعليق موسكو عمليًا لمشاركتها في آليات التفتيش منذ عام 2023.
الخطورة الأساسية في هذه الخطوة لا تكمن فقط في رفع القيود العددية، بل في انهيار منظومة الشفافية المتبادلة.
فمع غياب تبادل البيانات وعمليات التفتيش، يفقد الطرفان القدرة على التحقق من نوايا وقدرات بعضهما البعض، ما يعزز منطق الشك ويشجع على التخطيط لأسوأ السيناريوهات.
هذا الوضع، وفق خبراء الحد من التسلح، يزيد من احتمالات سباق تسلح نووي تدريجي، حتى دون إعلان رسمي أو نية مباشرة للمواجهة.
التداعيات على أوروبا والشرق الأوسط والنظام الدولي
ويرى محللون في صحيفة نيوزويك الأمريكية أن نهاية المعاهدة قد تدفع كلًا من موسكو وواشنطن إلى إعادة تقييم حجم ونوعية قواتهما النووية الاستراتيجية، سواء عبر زيادة عدد الرؤوس المنشورة، أو عبر الاستثمار في أنظمة تسليح جديدة أكثر تطورًا، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية وأنظمة الإطلاق غير التقليدية.
ومع غياب إطار قانوني ملزم، تصبح هذه القرارات خاضعة بالكامل للحسابات العسكرية والسياسية الداخلية.
تداعيات هذا التطور لا تقتصر على روسيا والولايات المتحدة وحدهما، بل تمتد إلى النظام الدولي بأكمله.
فـ«نيو ستارت» كانت تمثل ركيزة للاستقرار النووي العالمي، وانهيارها قد يشجع قوى نووية أخرى على إعادة النظر في التزاماتها أو تسريع برامجها العسكرية، كما قد يضعف الجهود الدولية الرامية إلى منع الانتشار النووي، خاصة في مناطق تشهد توترات حادة مثل الشرق الأوسط وشرق آسيا.
في هذا السياق، حذر خبراء أمنيون من أن العالم يدخل ما يمكن وصفه بـ«مرحلة ما بعد ضبط التسلح»، حيث تغيب القواعد الواضحة التي حكمت العلاقات بين القوى النووية الكبرى لعقود. وفي ظل تصاعد الأزمات الجيوسياسية، يصبح خطر سوء الحسابات أو التصعيد غير المقصود أعلى بكثير مما كان عليه خلال فترة سريان الاتفاقات.
حتى الآن، لم يصدر رد أميركي تفصيلي يوازي الإعلان الروسي، لكن المؤشرات تفيد بأن واشنطن تدرس خياراتها في ضوء الواقع الجديد، سواء عبر محاولات تفاوض مستقبلية بشروط مختلفة، أو عبر تبني مقاربة ردعية مستقلة لا تقوم على اتفاقيات ثنائية شاملة كما كان الحال سابقًا.
تحول ميزان القوى العالمية
إعلان روسيا عدم التزامها بالمعاهدة النووية الأخيرة مع الولايات المتحدة لا يمثل مجرد إجراء قانوني مرتبط بانتهاء اتفاق، بل يعكس تحولًا أعمق في ميزان القوى العالمي، ونهاية مرحلة كاملة من إدارة التنافس النووي عبر القواعد والقيود المتبادلة. ومع غياب بديل واضح، يبدو العالم مقبلًا على مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث يعود السلاح النووي ليحتل موقعًا مركزيًا في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، وسط قلق دولي متزايد من كلفة هذا التحول على الأمن والسلم الدوليين.