دخلت التحركات الإماراتية لزيادة الملكية في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع منعطفًا جديدًا، بعد تمسك جهات حكومية مصرية بحصصها في الشركة ورفضها المشاركة في البيع، بالتزامن مع استمرار مساعي «بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدنج»، التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي، للوصول إلى حصة مسيطرة في واحدة من أبرز شركات تشغيل محطات الحاويات في مصر.
وأعلنت شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، اليوم الخميس 3 سبتمبر 2026، تلقيها ما يفيد بعدم رغبة الهيئة العامة لميناء الإسكندرية في بيع أي من الأسهم المملوكة لها في رأسمال الشركة، في ظل إجراءات عرض الشراء المرتبط بـ«بلاك كاسبيان».
كما جاء موقف الشركة القابضة للنقل البحري والبري في الاتجاه نفسه، إذ أكدت هي الأخرى عدم رغبتها في بيع الأسهم المملوكة لها، ليصبح تمسك المساهمين الحكوميين بحصصهم عنصرًا رئيسيًا في تحديد المسار الذي يمكن أن تنتهي إليه الصفقة.
«لا بيع».. المساهمون الحكوميون يتمسكون بحصصهم
الرسالة التي حملتها التطورات الأخيرة تبدو واضحة، وهي أن الجهات الحكومية المالكة لأسهم في الإسكندرية لتداول الحاويات لا ترغب في التخارج لصالح العرض الإماراتي.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الذي تمثله الملكية الحكومية داخل الشركة؛ إذ تشير البيانات المتاحة إلى امتلاك الجهات الحكومية المصرية مجتمعة نحو 42.9% من الأسهم، موزعة بين الشركة القابضة للنقل البحري والبري بنحو 35.3% والهيئة العامة لميناء الإسكندرية بنحو 7.6%.
وبالتالي، فإن الإبقاء على هذه الحصص خارج دائرة البيع يفرض واقعًا مختلفًا على عملية إعادة ترتيب هيكل الملكية، خصوصًا أن العرض يرتبط بسقف يصل إلى 90% من رأسمال الشركة.
لكن رفض الجهات الحكومية بيع حصصها لا يعني، بمفرده، انتهاء عملية الاستحواذ؛ فهناك حصص أخرى تدخل في هيكل الصفقة، وهو ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد شراء مباشر لأسهم الدولة.
من أين بدأت «بلاك كاسبيان»؟
الوجود المباشر لمجموعة موانئ أبوظبي في رأسمال الإسكندرية لتداول الحاويات بدأ بصورة كبيرة في نوفمبر 2025، عندما استحوذت المجموعة، من خلال «بلاك كاسبيان»، على كامل الحصة التي كانت تمتلكها الشركة السعودية المصرية للاستثمار في الشركة المصرية.
وبلغت تلك الحصة 19.328%، فيما قدرت قيمة الصفقة بنحو 13.2 مليار جنيه. وكانت الشركة السعودية المصرية للاستثمار، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، هي البائع في العملية.
وبعد أقل من شهر، كشفت مجموعة موانئ أبوظبي عن نيتها التحرك للحصول على حصة إضافية تمنحها الأغلبية والسيطرة على الشركة.
واللافت أن إعلان موانئ أبوظبي الصادر في ديسمبر 2025 أشار منذ البداية إلى أن المساهمين الحكوميين المصريين سيحتفظون بحصصهم، وهو ما يجعل موقف ميناء الإسكندرية والقابضة للنقل المعلن حاليًا متسقًا مع أحد العناصر التي صاحبت تصور الصفقة منذ مراحلها الأولى.
27.47 جنيهًا للسهم.. العرض يدخل مرحلة جديدة
شهد يونيو 2026 تطورًا جديدًا عندما أعلنت مجموعة موانئ أبوظبي أن شركتها التابعة بالكامل «بلاك كاسبيان» أودعت لدى الهيئة العامة للرقابة المالية مشروع إعلان عرض الشراء الإجباري الخاص بالإسكندرية لتداول الحاويات.
وحددت المجموعة سعر العرض عند 27.47 جنيهًا للسهم.
وتكشف التفاصيل الرسمية المنشورة من موانئ أبوظبي أن هيكل العملية يستهدف شراء 953.442 مليون سهم تمثل 32% من رأسمال الإسكندرية لتداول الحاويات من «ألفا أوريكس»، بالإضافة إلى إتاحة شراء ما يصل إلى 127.511 مليون سهم من أسهم التداول الحر، بما يمثل نحو 4.3% من رأسمال الشركة.
وهذه التفاصيل مهمة لفهم ما يحدث؛ لأن الوصول إلى السيطرة لا يعتمد بالضرورة على شراء الحصص الحكومية، بل يمكن أن يتم من خلال تجميع حصص أخرى داخل هيكل الملكية.
من 19.3% إلى الأغلبية.. ماذا تستهدف الصفقة؟
عندما أعلنت موانئ أبوظبي خطتها للمرة الأولى في ديسمبر الماضي، كان الهدف المباشر هو الحصول على أغلبية تمنح المجموعة السيطرة على الإسكندرية لتداول الحاويات، بعد أن أصبحت تمتلك بالفعل نحو 19.3%.
وقالت المجموعة وقتها إن نجاح العملية يتطلب الاستحواذ على حصة إضافية تقترب من 32%، بما يرفع ملكيتها إلى مستوى يتجاوز 51% ويمنحها الأغلبية.
أما عرض الشراء الإجباري، فيفتح الباب قانونيًا أمام الاستحواذ على نسبة أكبر من الأسهم المعروضة للبيع وصولًا إلى السقف المحدد للعرض.
ومن هنا يأتي الرقم 90% المتداول في إفصاحات الشركة؛ فهو يمثل الحد الأقصى الذي يستهدفه عرض الشراء، وليس بالضرورة النسبة التي ستنتهي إليها الملكية فعليًا عند إتمام العملية.
فالنتيجة النهائية ستتوقف على الأسهم التي تدخل بالفعل في العرض، ومواقف المساهمين، واستكمال الإجراءات والموافقات التنظيمية.
لماذا «الإسكندرية لتداول الحاويات» مهمة؟
أهمية الصفقة تتجاوز حركة سهم في البورصة؛ فالشركة محل الاستحواذ تمثل أحد الأصول المهمة في منظومة النقل البحري المصرية.
تأسست الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع عام 1984، وتدير محطتين للحاويات في ميناءي الإسكندرية والدخيلة على البحر المتوسط.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية المجمعة للمحطتين نحو 1.5 مليون حاوية مكافئة سنويًا، بينما سجلت الشركة تداولًا بلغ نحو 1.07 مليون حاوية مكافئة خلال العام المالي 2024/2025، بحسب البيانات التي أعلنتها موانئ أبوظبي عند الكشف عن خطتها للاستحواذ.
كما يصل إجمالي أطوال الأرصفة التي تديرها الشركة في المحطتين إلى نحو 1.6 كيلومتر، وترتبط المحطتان بشبكة السكك الحديدية المصرية، ما يعزز أهميتهما في حركة البضائع وربط الموانئ بشبكات النقل الداخلية.
ولهذا فإن الاستحواذ على حصة مسيطرة في الشركة لا يمثل استثمارًا ماليًا فقط، وإنما يمنح المستثمر حضورًا مباشرًا في نشاط تداول الحاويات داخل اثنين من أهم موانئ البحر المتوسط في مصر.
الصفقة جزء من توسع إماراتي أكبر في مصر
لا يمكن فصل التحرك نحو الإسكندرية لتداول الحاويات عن استراتيجية أوسع لمجموعة موانئ أبوظبي في السوق المصرية.
فالمجموعة وسعت منذ عام 2022 أنشطتها في مصر في مجالات الشحن بالحاويات وتشغيل المحطات والخدمات البحرية واللوجستية، كما تعمل على مشروعات أخرى مرتبطة بالموانئ والمناطق الصناعية والخدمات البحرية.
ومع إعلان نيتها الحصول على السيطرة في الإسكندرية لتداول الحاويات، قالت المجموعة إن الصفقة تتكامل مع توسعها في مصر وتمنحها وجودًا أكبر على أحد المسارات البحرية المهمة التي تربط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وبذلك تصبح «الإسكندرية للحاويات» حلقة مهمة في خريطة توسع المجموعة، وليست صفقة منفصلة عن استثماراتها الأخرى في قطاع النقل والخدمات اللوجستية المصري.
هل انتهت معركة الاستحواذ؟
الإجابة حتى الآن.. لا.
رفض الهيئة العامة لميناء الإسكندرية والشركة القابضة للنقل البحري والبري بيع حصتيهما يغلق الباب أمام التخارج الحكومي وفق الموقف المعلن حاليًا، لكنه لا يعني تلقائيًا سقوط عرض الشراء أو انتهاء محاولة «بلاك كاسبيان» للحصول على الأغلبية.
فالهيكل المعلن للصفقة يتضمن انتقال حصة 32% من «ألفا أوريكس»، إلى جانب إمكانية شراء نسبة من أسهم التداول الحر، بينما تمتلك «بلاك كاسبيان» بالفعل نحو 19.3%.
وبالحساب، فإن جمع الحصة الحالية البالغة نحو 19.3% مع حصة الـ32% المستهدفة وحدها يكفي لتجاوز مستوى 51%، إذا تمت العملية وفق الهيكل المعلن وحصلت على الموافقات المطلوبة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الصفقة: الدولة تتمسك بأسهمها، بينما يستطيع المستثمر الإماراتي نظريًا الوصول إلى أغلبية مسيطرة من خلال حصص أخرى دون حاجة إلى شراء الحصة الحكومية.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستبيع الجهات الحكومية؟
بل أصبح السؤال الأهم: إلى أي نسبة ستصل ملكية «بلاك كاسبيان» فعليًا بعد إتمام عرض الشراء، وكيف سيبدو ميزان الملكية والسيطرة داخل واحدة من أهم شركات تداول الحاويات المصرية؟
وبين سقف استحواذ يصل إلى 90%، وتمسك حكومي بحصة تقترب من 43%، وملكية إماراتية قائمة بالفعل، تظل صفقة الإسكندرية لتداول الحاويات مفتوحة على أكثر من سيناريو، في انتظار ما ستسفر عنه إجراءات عرض الشراء والموافقات التنظيمية ومواقف بقية المساهمين.
لكن المؤكد بعد تطورات اليوم أن الدولة المصرية، عبر مساهميها في الشركة، اختارت حتى الآن الاحتفاظ بأسهمها وعدم طرحها للبيع.