ads
ads

إذا صُفدت الشياطين في رمضان.. فمن أين تأتي الذنوب

التعبد يبعد الناس عن الذنوب في رمضان
التعبد يبعد الناس عن الذنوب في رمضان

مع إشراقة هلال شهر رمضان، يتردد على الألسنة والأسماع ذلك الحديث النبوي الشريف الذي يبشرنا بفتح أبواب الجنان وغلق أبواب النيران و'تصفيد الشياطين'. ومع هذا الاستبشار، يطل تساؤلٌ يفرض نفسه على واقعنا المعاش: إذا كانت الشياطين تُغل بالأغلال والسلاسل، فلماذا لا تزال النفس الأمارة بالسوء تقترف المعاصي؟ وكيف نرى الشرور تطل برأسها في خير الشهور؟ وفي هذا المقام، تأتي دار الإفتاء المصرية لتقدم تفسيراً جلياً يزيل اللبس ويضع النقاط على حروف الحقيقة الإيمانية.

عبر بوابتها الرسمية، وضعت دار الإفتاء تأصيلاً دقيقاً لمعنى 'التصفيد'، مفرقة بين الغل المادي للشيطان وبين طبيعة النفس البشرية، وذلك لتصحيح المفاهيم وتوجيه المسلم نحو معركته الحقيقية في رمضان.

التصفيد.. بين الحقيقة والمجاز

أوضحت دار الإفتاء في فتواها رقم 8017 أن العلماء حملوا 'تصفيد الشياطين' في رمضان على عدة أوجه؛ فمنهم من يرى أنه تصفيد حقيقي لمرَدة الجن وشياطينهم، تقليلاً لشرورهم وإكراماً للشهر الفضيل. ومنهم من ذهب إلى أن التصفيد مجازي، بمعنى أن الصيام بقدسيته، والجوع والعطش بكسرهما للشهوات، يضيقان مجاري الشيطان في بدن الإنسان، فيصبح 'مصفداً' عاجزاً عن الغواية كما كان في غير رمضان.

وبناءً عليه، فإن التصفيد لا يعني انعدام وسوسة الشيطان بالكلية، بل يعني ضعف أثره وانكسار شوكته أمام إقبال العبد على الطاعات وصقله لروحه بالذكر والقرآن.

إذا صُفدت الشياطين.. فمن أين يأتي الذنب؟

أجابت الفتوى على الإشكالية التي تؤرق الكثيرين: 'لماذا نرى المعاصي والجرائم في رمضان؟'. وهنا تشير الدار إلى حقيقة غائبة، وهي أن الشيطان ليس المصدر الوحيد للشر؛ فالمعاصي تنبع من روافد أخرى لا يشملها التصفيد، وأبرزها:

النفس الأمارة بالسوء: وهي المحرك الداخلي للإنسان، والتي اعتادت على المعصية طوال العام، فلا تهدأ بمجرد رحيل الشيطان.

شياطين الإنس: وهم أعوان السوء الذين يزينون الفواحش ويدفعون إليها دفعاً.

العادات السيئة: وهي البرمجة السلوكية التي انطبعت بها النفس، فتحتاج إلى وقت ومجاهدة لتغييرها.

إن بقاء المعصية في رمضان هو الدليل الأكبر على أن 'النفس' هي العدو الأول، وأن الشيطان كان مجرد 'مُحفز' خارجي، فإذا غاب المحفز وبقي الذنب، وجب على الإنسان أن يواجه حقيقة نفسه ويقوم بتهذيبها.

الحكمة من التصفيد: تهيئة المناخ للطاعة

تؤكد دار الإفتاء أن الحكمة من تصفيد الشياطين هي 'إقامة الحجة' على العبد، وتهيئة مناخٍ روحاني نقي يسهل فيه فعل الخير. فالله عز وجل قد كف عنك كيد عدوك الخارجي (الشيطان) أو أضعفه، ليختبر صدق عزيمتك في مواجهة عدوك الداخلي (النفس).

إن رمضان بهذا المعنى هو 'معسكر تدريبي' للروح؛ فمن لم يستطع كبح جماح نفسه والشيطانُ مصفد، فمتى يستطيع؟

رسالة الصدق مع النفس

إن رسالة دار الإفتاء من خلال هذا التوضيح الفقهي والروحاني هي دعوة للمصارحة؛ فلا ينبغي للصائم أن يلقي بتبعات تقصيره على شماعة 'الشيطان'، بل عليه أن يستغل هذا الشهر لترويض نفسه الأمارة بالسوء. إن تصفيد الشياطين هو 'منحة إلهية' للصائمين، وفرصة ذهبية لاستعادة السيطرة على زمام الروح، فالسعيد من عرف عدوه الحقيقي، واغتنم صفاء الشهر ليرتقي بنفسه إلى مصاف الملائكة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
رئيس الوزراء يتابع مُستجدات تنفيذ مشروع "رأس الحكمة" بالساحل الشمالي