في وقت باتت فيه "الإشعارات" تطارد الإنسان حتى في محرابه، وتتسلل "الخوارزميات" إلى أدق تفاصيل خلوته، برز في الأفق الفقهي والاجتماعي مفهوم جديد يفرض نفسه على أجندة العبادات الرمضانية لعام 2026، وهو ما يُعرف بـ "الاعتكاف الرقمي". هذا المفهوم لا يكتفي بالنظر إلى الصيام كامتناع عن الطعام والشراب، بل يمتد ليشمل "الصيام عن الضجيج" الذي تُحدثه منصات التواصل الاجتماعي، والتي تحولت بمرور الوقت إلى سارق صامت لأثمن ما يملكه الصائم في رمضان: "الوقت والتركيز". إن الدعوة إلى الاعتكاف الرقمي تأتي كاستجابة ضرورية لواقع بات فيه المسلم مشتت الذهن بين ركعات التراويح وتنبيهات الهاتف، مما دفع الكثير من علماء الدين والمفكرين إلى اعتبار "الديتوكس الرقمي" شكلاً من أشكال تهذيب النفس المعاصرة، ونوعاً من أنواع الجهاد النفسي لاستعادة صفاء الروح المفقود في غياهب العالم الافتراضي.
وتستند الفتاوى المشجعة على الاعتكاف الرقمي إلى مقاصد الشريعة في "الخلوة"، فإذا كان الاعتكاف التقليدي يهدف إلى انقطاع المعتكف عن الناس ليتفرغ لمناجاة ربه، فإن "الناس" اليوم انتقلوا بضجيجهم وصراعاتهم وحكاياتهم إلى داخل هواتفنا المحمولة، مما جعل الانقطاع عن هذه الأجهزة هو المعنى الحقيقي للاعتكاف في زماننا. ويرى الفقهاء أن الاستغراق في تصفح المنصات، حتى وإن كان في محتوى غير محرم، قد يخرج بالصائم عن مقصود العبادة، لأن كثرة الاطلاع على تفاصيل حياة الآخرين ومقارنتها بالذات تورث القلب تشتتاً وحسرةً، وهو ما يتنافى مع حالة السكينة التي ينبغي أن تغلف شهر الصيام. ومن هنا، تبرز قيمة "الصيام الرقمي" كرياضة روحية تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح العقل فرصة للاستراحة من تدفق المعلومات اللحظي الذي يرهق الحواس ويضعف القدرة على التدبر في آيات الله الكونية والقرآنية.
إن تطبيق "الاعتكاف الرقمي" لا يعني بالضرورة الانقطاع التام عن التكنولوجيا في حالات الضرورة أو العمل، بل هو منهج لـ "الفلترة" الواعية التي تجعل من الهاتف أداة طيعة وليس سيداً متحكماً. فالهدف هو التخلص من "إدمان المشاهدة" و"شهوة التعليق" التي تستنزف الطاقة الروحية، واستبدالها بحضور قلبي حقيقي مع الله. ويؤكد خبراء التربية الدينية أن الصائم الذي ينجح في فرض "حظر تجوال" على تطبيقاته لعدة ساعات يومياً، أو يقرر التوقف التام عن النشر والمتابعة خلال العشر الأواخر، يجد في قلبه رقةً وفي صلاته خشوعاً لا يجدهما وهو متصل بشبكة الإنترنت. فالاعتكاف الرقمي هو بمثابة "فلتر" يمنع دخول الشوائب الفكرية والبصرية إلى وعي الصائم، مما يتيح له استقبال أنوار الشهر الكريم بقلب فارغ إلا من ذكر الله، وعقل متحرر من قيود "اللايكات" وشهوة الانتشار.
وعلى جانب آخر، تتقاطع هذه الرؤية الفقهية مع دراسات علم النفس الحديثة التي تؤكد أن الصيام عن وسائل التواصل يقلل من مستويات التوتر والقلق، ويزيد من جودة التواصل الإنساني والأسري. ففي رمضان، حين يقرر رب الأسرة أو الأم غلق الهواتف وقت الإفطار أو السحور، فإنهم يمارسون "اعتكافاً جماعياً" يعيد للبيت المصري دفئه الروحي، ويفتح آفاقاً للحوار الحقيقي الذي غيبه "العزلة الافتراضية". إن الفتاوى الحديثة التي تشجع على هذا السلوك لا تنظر إليه كمجرد "تريند" عابر، بل كضرورة شرعية لحماية جوهر العبادة من التسطيح، وحماية الصائم من الوقوع في فخ "الرياء الرقمي" أو الانشغال بالصورة على حساب الجوهر. فالاعتكاف الرقمي هو رحلة عودة من "الخارج الصاخب" إلى "الداخل المطمئن"، حيث يجد الإنسان نفسه وجهاً لوجه مع حقيقته بعيداً عن صخب المتابعين.
ختاماً، يظل الاعتكاف الرقمي في رمضان 2026 هو الاختبار الحقيقي لقوة الإرادة، فمن استطاع أن يصوم عن "الشاشة" وهو في قمة اشتعال الأحداث والتريندات، فقد حقق نصراً معنوياً كبيراً على هوى نفسه. إننا مدعوون جميعاً في هذا الشهر لأن نجعل من هواتفنا وسيلة لا غاية، وأن نمنح أنفسنا تلك "الخلوة الحديثة" التي نغسل فيها أرواحنا من أدران العالم الافتراضي. لنجعل من الاعتكاف الرقمي بداية لتعامل جديد وأكثر نضجاً مع التكنولوجيا بعد رمضان، بحيث نكون نحن من نتحكم في "زر الإغلاق"، باحثين عن السكينة التي لا توفرها سرعة الإنترنت، بل يوفرها الإخلاص في السجود والتبتل في جنح الليل، بعيداً عن عيون المتابعين وقريباً من عين الله التي لا تنام.