تثار تساؤلات معقدة حول طبيعة الدور الذي لعبه رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، وما إذا كان نشاطه قد تجاوز حدود الجريمة المنظمة إلى العمل الاستخباراتي الدولي. فبينما كشفت التحقيقات عن شبكة واسعة للاستغلال الجنسي، برزت فرضيات تشير إلى استغلاله للعلاقات رفيعة المستوى لجمع معلومات حساسة وابتزاز شخصيات نافذة في مراكز صنع القرار العالمي.
شبكة النفوذ والسيطرة
اعتمد إبستين في صعوده على بناء شبكة اجتماعية أخطبوطية ضمت رؤساء دول، وعلماء، ومشاهير، ورجال أعمال. ووفقاً للتقارير، لم تكن حفلاته الباذخة في بيوته الفخمة مجرد مظاهر للثراء، بل يُعتقد أنها كانت ستاراً لعمليات توثيق واسعة النطاق للقاءات حساسة، مما يفتح الباب أمام فرضية 'سوق الأسرار' التي كان يديرها كمقاول مستقل أو لصالح جهات خارجية.
الارتباطات الاستخباراتية المحتملة
تتجه بعض القراءات التحليلية إلى ربط إبستين بجهاز 'الموساد' الإسرائيلي، مستندة في ذلك إلى علاقته الوثيقة بشريكته غيسلين ماكسويل، ابنة إمبراطور الإعلام البريطاني روبرت ماكسويل الذي لاحقته اتهامات مشابهة بالعمل لصالح الاستخبارات. وترى هذه القراءات أن إبستين ربما استخدم مواده المسجلة كأدوات ضغط سياسي وتجنيد، وهو ما يفسر التسويات القضائية المخففة التي حصل عليها في بدايات ملاحقته عام 2008.
نهاية غامضة وتساؤلات مفتوحة
رغم الرواية الرسمية التي أكدت انتحار إبستين في زنزانته بنيويورك عام 2019 بانتظار محاكمته بتهم الاتجار الجنسي، إلا أن ظروف وفاته والخلل الأمني الذي صاحبها عززا الشكوك حول رغبة جهات مجهولة في طي ملفه نهائياً. وتكشف الوثائق والرسائل الإلكترونية المسربة التي بلغ عددها نحو 1.4 مليون رسالة، عن تغلغل مخيف لإبستين في مفاصل السياسة الدولية، ما يجعل من تهمة 'الجاسوسية' احتمالاً قائماً في ظل غياب أجوبة قاطعة حول هوية الجهات التي كانت تحميه طوال تلك العقود.
الجذور والبدايات.. من فصول الدراسة إلى أروقة المال
تعود جذور جيفري إبستين إلى حي بروكلين في نيويورك، حيث ولد عام 1953 لأسرة متوسطة الحال. وعلى الرغم من نبوغه المبكر في الرياضيات والفيزياء، إلا أن مسيرته الأكاديمية لم تكتمل في جامعتي نيويورك وكولومبيا، ليبدأ مشواره المهني بشكل مفاجئ كمدرس لمادة الرياضيات في مدرسة 'دالتون' النخبوية بمانهاتن. كانت هذه المحطة هي 'حجر الزاوية' في حياته؛ إذ سمحت له ببناء شبكة علاقات أولية مع عائلات نافذة وثريّة، مهدت له الطريق لترك التدريس والانتقال إلى عالم المال والأعمال في 'وول ستريت'، حيث انضم إلى مؤسسة 'بير ستيرنز' قبل أن يؤسس شركته الخاصة لإدارة الثروات التي استهدفت حصرياً أصحاب المليارات.
فلسفة "القوة فوق القانون".. المحرك الخفي للإمبراطورية
لم تكن تحركات إبستين في عالم المال مجرد سعي للثراء، بل كانت مدفوعة برؤية فلسفية برغماتية صادمة؛ حيث كان يؤمن بعمق بأن 'القانون ليس مرآة للأخلاق، بل هو مجرد اتفاق مؤقت بين الأقوياء'. هذه القناعة جعلته يتحرك في 'المناطق الرمادية' بعيداً عن الرقابة، معتبراً أن النفوذ المالي والسياسي يمنح صاحبه حصانة فوق المعايير الأخلاقية والضوابط القانونية التقليدية. وقد انعكست هذه الفلسفة على أسلوب حياته، حيث لم يجد حرجاً في تطويع القوانين لخدمة مصالحه الخاصة وبناء شبكة نفوذ عابرة للقارات.
بمرور الوقت، تحولت حياة إبستين إلى مشروع معقد يقوم على "ثالوث" مترابط يتكون من المال الضخم، والاستغلال الجنسي، وجمع المعلومات الحساسة. فبينما كان يدير ثروات النخبة، كان يستخدم عقاراته الفاخرة وجزيرته الخاصة كشرك لاستدراج الشخصيات النافذة وتوريطهم في ممارسات مشينة مع قاصرات، مما سمح له بامتلاك "مخزن من الأسرار" مكنه من السيطرة والابتزاز. هذه الإمبراطورية التي بنيت على أنقاض الضحايا، لم تكن مجرد شبكة إجرامية، بل كانت كياناً استخباراتياً غير رسمي، يتاجر بالمعلومات والأسرار في سوق النفوذ العالمي، مما يفسر الغموض الذي لا يزال يحيط بعلاقاته المتشعبة حتى بعد وفاته.