تكتسب الجولة الحالية من مفاوضات جنيف طابعاً استثنائياً بوصفها 'الفرصة الأخيرة' لتفادي صدام عسكري شامل، حيث دخلت الإدارة الأمريكية المحادثات بمطالب صارمة وغير مسبوقة. يقود هذا المسار المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذان يحملان رؤية الرئيس دونالد ترامب الرامية إلى صياغة اتفاق 'أبدي' لا يتقيد بأسقف زمنية كما في الاتفاقات السابقة. تصر واشنطن في هذه المرحلة على انتزاع تنازلات جوهرية تشمل التخلص الكامل من مخزون اليورانيوم المخصب، وتفكيك المنشآت النووية الرئيسية في 'فوردو' و'نطنز' و'أصفهان'، مع إدراج ملف الصواريخ الباليستية كجزء لا يتجزأ من أي تفاهم مستقبلي لضمان الأمن القومي الأمريكي واستقرار المنطقة.
في المقابل، تدير طهران هذه المفاوضات باستراتيجية تعتمد على 'التفاؤل الحذر' ومحاولة امتصاص زخم التهديدات الأمريكية عبر تقديم مسودة مقترحات جديدة. يسعى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى شق طريق دبلوماسي يوازن بين الحفاظ على الحقوق النووية السلمية ورفع العقوبات الاقتصادية التي تخنق الداخل الإيراني. تعرض إيران مقترحات تتراوح بين خفض نسب التخصيب إلى مستويات دنيا أو معالجة الوقود النووي عبر 'كونسورتيوم' دولي، وذلك في محاولة لكسب الوقت وتجنب السيناريو العسكري الذي يلوح به 'صقور' الإدارة الأمريكية، في ظل تصعيد داخلي وتحديات اقتصادية تفرض على النظام البحث عن مخرج عقلاني يضمن بقاءه الأيديولوجي والسياسي.
التوازن العسكري والدرع الدفاعي كأداة ضغط دبلوماسي
بالتوازي مع طاولة المفاوضات، تجري تحركات ميدانية تهدف إلى تعزيز الموقف التفاوضي الأمريكي ومنح 'خيار الحرب' مصداقية عملية. فقد كشفت التقارير عن تحشيد عسكري غير مسبوق يشمل نشر مقاتلات 'إف-22' المتطورة في المنطقة وتفعيل منظومات 'تاد' و'باتريوت' الدفاعية لحماية الحلفاء. هذا التصعيد الميداني ليس مجرد عرض للقوة، بل هو رسالة واضحة بأن الفشل في جنيف سيعقبه مباشرة تنفيذ 'المرحلة الثالثة' التي تستهدف شل القدرات الصاروخية الإيرانية. وفي ظل هذا المشهد، تترقب تل أبيب والخليج مخرجات لقاء المبعوثين الأمريكيين بترامب، حيث سيتحدد بناءً على تقريرهم مستقبل المنطقة: إما اتفاق تاريخي ينهي الصراع النووي، أو شرارة انطلاق لأوسع مواجهة عسكرية يشهدها الشرق الأوسط منذ عقود.