أظهرت كواليس العمل الدبلوماسي بين واشنطن وتل أبيب توازناً دقيقاً تقوده الإدارة الأمريكية في تعاملها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل أزمة سياسية خانقة يواجهها الأخير قبيل موعد الانتخابات المرتقبة. وتشير المعطيات إلى أن واشنطن قررت عدم قطع الجسور مع نتنياهو رغم عدم رضاها عن رفضه العلني لـ«خريطة الطريق» الخاصة بقطاع غزة والصادرة عن «مجلس السلام»، إلا أنها في المقابل أوحت له بوضوح بعدم وجود "كارت مفتوح" لعرقلة مسار تطبيق الخطة، محذرة من ردود فعل حازمة حال تماديه في تلك المواقف.
وتأتي هذه التفاهمات الضمنية في وقت تبدي فيه الإدارة الأمريكية ارتياحاً ملحوظاً إزاء استجابة نتنياهو لطلباتها المباشرة، ولا سيما تعليق عمليات الاغتيال في قطاع غزة منذ مطلع الأسبوع الماضي، فضلاً عن امتناعه عن وضع العراقيل أمام جهود إزالة الركام وبدء البنى التحتية لمشروع «رفح الخضراء». وتتوقع الدوائر الأمريكية استمرار هذا التعاون العملياتي، في وقت توافق فيه واشنطن مؤقتاً على استيعاب إعلان نتنياهو رفضه حزمة «النقاط الـ15» لأسباب سياسية داخلية بحتة.
وعلى خط الهزات السياسية الداخلية، تعيش حكومة نتنياهو مخاضاً عسيراً قبل شهرين ونصف الشهر من الانتخابات، إذ تجد القيادة الإسرائيلية نفسها ممزقة بين ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الرامية لخطوات ملموسة في ملف الإعمار، وضغوط أقطاب اليمين المتطرف وقادة حملة حزب «الليكود» المترنحة. وقد تجسدت هذه الضغوط بانقضاض حلفاء نتنياهو البارزين، مثل الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك، عليه علناً باتهام واشنطن بتضليل الحكومة بشأن دخول "قوة الاستقرار"، وهو ما دفع نتنياهو لسلسلة تصريحات حادة تؤكد رفض وثيقة "النقاط الـ15" وربط أي انسحاب بنزع سلاح "حماس"، إلى جانب رفض إقامة دولة فلسطينية.
ولاحتواء هذا المأزق وامتصاص غضب اليمين الإسرائيلي، أظهرت المصادر أن واشنطن تدرك تماماً صعوبة سيطرة نتنياهو على أطراف ائتلافه، مما دفع «مجلس السلام» مؤخراً لتعديل صيغة اتفاق غزة وتليين مواقفه. وتجلى ذلك في التراجع عن شرط "الانسحاب الكامل" من "الخط الأصفر" والاكتفاء بالبقاء إلى حين إتمام نزع سلاح حركة "حماس"، في خطوة استباقية تستهدف منح نتنياهو طوق نجاة سياسي يحميه من السقوط الداخلي مع الحفاظ على المسار العام للتسوية.