ads
ads

محمد مختار يكتب عن اليسار المصري الذي يدمن الهزيمة ويناضل باسم طبقة غير موجودة ويبحث عن قطة في صحراء بلا سنجاب

محمد مختار
محمد مختار

عادةً ما يبدو الشارع المصري وكأنه يتلذذ برؤية قوى اليسار تظهر، كأن له نوع من الفضول الغريب أو الشغف المرهف تجاه جماعات تعشق الهزيمة. نعم، الهزيمة ليست مجرد نتيجة بالنسبة لهم، بل جزء من هويتهم السياسية، وشبه تقليد موروث يكررونه بلا ملل. ومع ذلك، فإن هذه الحركات، طوال عقود طويلة، لم تستطع الانتصار لا على الإسلاميين ولا على من يجلسون على كرسي السلطة، ليظل المشهد أشبه بمسرحية عبثية: ممثلون يعرفون نهايتهم مسبقًا، وجمهور يصفق بحزن أو يضحك على قسوة المشهد. الصراع السياسي في مصر هنا، إذا جاز التعبير، يشبه مباراة كرة قدم يلعبها فريقان ضد الظل، لا أحد يربح، ولا أحد يخسر، والجميع يصفق للخيال.

بالطبع، يمكن للمرء أن يتحدث عن أخطاء اليسار بعد 2011، وكأننا نحلّل أسباب هزيمة فريق كرة قدم لم يكن يعرف قواعد اللعبة أصلاً. الفصائل اليسارية لم تنظم نفسها في مواسم الانتخابات كما يجب، ولم تخترع منابر جذابة تجذب الشباب أو الشارع، بل بقيت محبوسة في فقاعاتها الأنيقة في القاهرة، كأنها تعيش في متحف تاريخي لا يصل إليه أحد. أما الشارع الذي يفترض أنها تمثله، فقد بقي يراقب هذه المعارك من بعيد، يضحك أحيانًا، ويستنكر أحيانًا أخرى، وكأن الأحداث كلها تدور على مسرح وهمي لا يلتقي بالواقع.

لكن المشكلة أكبر من مجرد أعذار سهلة. فحزب التجمع، ذلك الوعاء الذي يفترض أنه يمثل اليسار المصري، انحرف في الثمانينيات وكأنه ضائع في متاهة القلق من صعود التيارات الإسلامية، التي اعتُبرت “تهديدًا” مبالغًا فيه. هذا الخوف دفع الحزب إلى التحالف مع نظام مبارك، بذريعة مقاومة هذا التهديد، ليصبح جزءًا من منظومة سياسية فقدت القدرة حتى على التفكير في بديل حقيقي. هكذا، بدلاً من أن يكون صوتًا معارضًا أو فكرة جديدة، تحوّل حزب التجمع إلى نسخة مقلدة من النظام نفسه، وكأن المعارضة هنا مجرد ديكور.

وكانت النتيجة أن تركيز الحزب على معارك “هوية الدولة” ضد الإسلاميين أفرغه من أي ذرة مصداقية في مواجهة سياسات التحرير الاقتصادي. تحول الحزب تدريجيًا من ممثل للمعارضة إلى مجرد تابع للنظام، يلعب في حلبة صراع أصبح الجميع فيها غير مهتم، كأنهم يشاهدون مباراة بين فريقين وهميين على شاشة بلا كهرباء. وفي النهاية، بقي حزب التجمع مجرد ديكور سياسي: موجود شكليًا، بلا تأثير حقيقي، وكأن أحدًا نسي أن يسأله عن رأيه.

ولكن، إذا أردنا أن نفهم المعضلة الحقيقية لليسار المصري، علينا أن نعود إلى الواقع الطبقي بكل قسوة وصدق. فالمعضلة يمكن اختصارها في حقيقة واحدة صارخة: اليسار يبحث عن طبقة غير موجودة أصلاً. العمال في مصر ليسوا طبقة مغلقة، بل مزيج متنوع من المهن والحياة اليومية. العامل في المصنع قد يعود إلى منزله ليقود تاكسي أو يشرف على ورشته الخاصة، وابنته قد تتزوج من ابن تاجر، وأبناء العمال أنفسهم قد يصبحون تجارًا أو موظفين في شركات. ببساطة، الطبقة التي يفترض أن تقوم عليها نظرية الصراع الطبقي… مجرد وهم جميل يعيش في مخيلة اليسار، لا وجود له على أرض الواقع.

الفلاحون كذلك، ليسوا طبقة متماسكة أو ثابتة، بل مثلهم مثل العمال، يتقلبون بين الواقع والفرص اليومية. ومن ثم، الصراع الطبقي الذي يقوم عليه الفكر الحركي اليساري، والذي يُقدَّم على أنه محور كل استراتيجياته، ببساطة غير موجود في مصر. لم يكن موجودًا في الماضي، ولن يكون موجودًا في المستقبل، وبقي اليسار المصري يناضل وكأنه يركض وراء سراب، يحلم بمعركة لا أرضية لها، بينما الواقع يضحك في وجهه بصوت عالٍ وواضح.

اليسار المصري إذن، يواصل نضاله… ضد وهم طبقي صنعه في مخيلته، كمن يبحث عن قطة في صحراء بلا سنجاب. والمفارقة المضحكة أن الجميع يشاهد هذا المسرح، يضحك، ويكتب مقالات، بينما الحزب نفسه منشغل بأوهامه، كأن الواقع السياسي مجرد تفاصيل جانبية يمكن تجاهلها. وفي النهاية، يظل اليسار المصري أسطورة تتكرر على الورق، وحكاية طريفة تُروى عن مناضلين يلاحقون سرابًا، بلا هدف حقيقي، وبلا طبقة حقيقية.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً