رغم كل ما نردده عن التقدّم، والوعي، والمساواة، لا تزال نظرة شريحة واسعة من المجتمع المصري للمطلقة عالقة في زمن قديم.
نظرة ذكورية قاسية، تضع على جبين المرأة ختمًا غير مرئي:
«مستعملة».
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل تطوّرنا فعلًا… أم اكتفينا بتغيير الشاشات فقط؟
في عيون كثير من الرجال، لا تُرى المطلقة كإنسانة كاملة، بل كحالة ناقصة:
امرأة مكسورة، أقل قيمة، لا يحق لها أن تطلب، وأي محاولة للمطالبة بحقوقها تُفسَّر فورًا على أنها طمع أو جشع أو استغلال.
الرجل المتزوج… لماذا تكون المطلقة هدفًا؟
المفارقة الصادمة أن المطلقة غالبًا ما تجذب اهتمام الرجل المتزوج.
ليس إعجابًا، بل تصوّرًا مغلوطًا، يرى فيها:
امرأة بلا شروط،
أقل تعقيدًا،
لا تملك رفاهية الرفض،
وسهلة الاستغلال نفسيًا وعاطفيًا.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
المطلقة غالبًا أكثر وعيًا، تعرف حقوقها، وتدرك احتياجاتها النفسية والمادية، لكنها تُجبر على الصمت، لأن المجتمع لا يسمح لها بالتعبير.
كل طلب مشروع يتحوّل إلى تهمة، وكل دفاع عن النفس يُفسَّر كوقاحة.
المجتمع… شريك أصيل في القهر
المجتمع لا يكتفي بالحكم على المطلقة، بل يراقبها:
يحاسبها على مظهرها،
ضحكتها،
تحركاتها،
واختياراتها.
وكأنها كيان تحت الاختبار الدائم، بلا حق في الخطأ، ولا مساحة للحياة الطبيعية.
هذا الضغط المستمر يضعها أمام معادلة قاسية:
إما المقاومة المستنزِفة،
أو الخضوع المُهين،
أو الاستسلام الصامت.
وفي كل الحالات، تُدفع فاتورة نفسية باهظة.
الدين في صف المرأة… لكن الواقع يعاند
الدين الإسلامي لم يقل يومًا إن المطلقة أقل شأنًا.
لم يربط قيمة المرأة بحالتها الاجتماعية، ولم يمنح الرجل سلطة إذلالها.
الحقوق الشرعية واضحة، والعدل أساس العلاقة، والرجولة مسؤولية لا امتياز.
«وما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم».
لكن الواقع المصري كثيرًا ما يقدّم نموذجًا معاكسًا:
رجل يطالب بالحقوق، ويستنكر الواجبات،
ويرى نفسه دائمًا محقًا،
ويرى المطلقة مذنبة… فقط لأنها طالبت بحقها.
لماذا تُستهدف المطلقة؟
لأنها خرجت من تجربة فاشلة في نظر المجتمع،
لأنها لا تناسب صورة المرأة “المطيعة”،
لأن وعيها يربك من اعتاد السيطرة،
ولأن استقلالها يهدد ذكورية هشة.
المطلقة ليست طماعة،
وليست فرصة مجانية،
وليست مكافأة لرجل متزوج.
هي إنسانة تبحث عن حياة كريمة، مع رجل يفهم أن الرجولة أخلاق ومسؤولية، لا قدرة على القهر.
المعاناة النفسية بعد الطلاق
الطلاق لا يترك جرحًا واحدًا، بل سلسلة جروح:
وصمة اجتماعية،
مساومة عاطفية،
تشكيك دائم،
وضغط نفسي مستمر.
كل محاولة للدفاع عن النفس تُقابل بالتخوين، وكأن الحقوق تُمنح لها تفضّلًا لا استحقاقًا.
كلمة أخيرة
المطلقة ليست ناقصة.
ليست مستعملة.
وليست فشلًا يمشي على قدمين.
هي امرأة خرجت من تجربة، وتستحق الاحترام، والأمان، والعدل.
القسوة لا تصنع رجولة،
ولا ترضي دينًا،
ولا تبني مجتمعًا سويًا.
ارحموا… كي تُرحموا