تأتي مسرحية 'الحارة' كعمل درامي يحفر في وجدان المجتمع المصري، محاكياً حياة أسرتين تتقاسمان نفس الحارة عبر أكثر من قرن من الزمان، منذ ثورة 1919 مرورًا بالحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم ثورة 1952، وحتى نهايات القرن العشرين. إن المسرحية، في جوهرها، ليست مجرد تصوير لحياة يومية أو سرد تاريخي، بل هي رحلة استكشافية في الصراع الأزلي بين القديم والجديد، بين الروح المحلية المتمسكة بالهوية والوعي الحديث الساعٍ إلى التغيير.
الحارة هنا ليست مجرد فضاء جغرافي، بل هي رمز للذاكرة الجمعية للمجتمع المصري، ومكان تتشابك فيه السياسة والتاريخ والثقافة مع تفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال الشخصيات، يتضح أن كل أسرة تمثل قوة ثقافية مختلفة: الأسرة الأولى تمثل التشبث بالماضي التقليدي، وربما الطموح المادي الذي يراه البعض متنفسًا للعيش في عالم سريع التغير، بينما الأسرة الثانية تمثل الوعي الاجتماعي والثقافي، والمثابرة على قيم الأصالة والكرامة الإنسانية.
الدراما في المسرحية تعتمد على الصراع النفسي والاجتماعي أكثر من الصراع العنيف. فابن الأسرة الأولى الذي يرغب في بيع الحارة يمثل فكرة الانفصال عن الجذور، والانفتاح على التحولات الاقتصادية، بينما الأسرة الثانية المثقفة ترمز إلى الضمير الجمعي للمجتمع الذي يدرك أن هدم الماضي له ثمن باهظ، ليس فقط على مستوى الحجر والشوارع، بل على مستوى الهوية والقيم.
ومن زاوية أخرى، تتسم المسرحية بأسلوب سردي متسلسل زمنيًا، يكاد يكون شبيهًا بمخطط الحياة الاجتماعية للحارة نفسها، حيث الأحداث الكبرى – مثل الثورة أو الحرب – ليست مجرد سياق تاريخي، بل قوة تحريك للشخصيات وكاشفة لطبائعها. هنا يتجلى عبقرية النص في الجمع بين الصراع الشخصي والسياسي والاجتماعي، ما يجعل المسرحية مرآة للوعي الجماعي والتاريخ الثقافي المصري.
بالطبع، يمكننا تطوير هذا المقطع ليصبح أكثر عمقًا وبلاغة بأسلوب نقدي يشبه أسلوب الدكتور عبد القادر القط، مع تعزيز البعد الرمزي وتحليل العلاقات بين المكان والشخصيات والزمن .
مسرحية الحارة
ولا يغيب عن المسرحية البعد الرمزي للفن المسرحي نفسه، فالحارة هنا ليست مجرد فضاء جغرافي، بل مسرحًا للذاكرة المتحركة والصراع الاجتماعي. الديكور وأزقة الحارة الضيقة وأبوابها الخشبية القديمة، هي رموز للماضي العميق المتجذر في وجدان الشخصيات والمجتمع، تمثل الأصالة والتمسك بالهوية، بينما الحركة على خشبة المسرح ولغة الحوار اليومية تُمثل الواقعية الاجتماعية الملموسة. أما الحديث عن بيع الحارة أو تحديثها، فهو نداء التغيير الذي يفرض نفسه على كل مجتمع يتصارع مع نفسه بين الجذور والمستقبل.
إن الصراع بين القديم والجديد هنا ليس صراعًا سطحيًا حول ممتلكات أو مصالح مادية، بل هو صراع الإنسان مع ذاته، مع قيمه، مع الزمن نفسه؛ فكل شخصية تحمل وزن الماضي، لكنها مضطرة لمواجهة تحديات الحاضر ورؤية المستقبل. وبذلك، تتحول الحارة إلى مختبر درامي للذاكرة التاريخية، حيث يمكن دراسة تطور المجتمع وعلاقاته الداخلية، وكيف يتشكل الوعي الجمعي عبر الأجيال. المسرحية إذن، ليست مجرد سرد تاريخي أو دراما عائلية، بل تجربة مسرحية فلسفية تسائل الإنسان عن علاقته بالزمان والمكان والقيم.
ويمكن القول إن مسرحية 'الحارة' تنجح في الجمع بين التاريخ الشخصي والتاريخ الجمعي، بين الصراع الداخلي والخارجي، وبين القديم والجديد. إنها مسرحية لا تعطي إجابات سهلة، بل تفتح المجال أمام المشاهد للتفكير في مسائل الهوية والانتماء، في ثقل التاريخ وأهمية التغيير، وفي علاقة الإنسان بالمكان الذي نشأ فيه. وهكذا، تظل الحارة ليست مجرد فضاء، بل رمز حي للإنسان المصري بكل تناقضاته وامتنانه لماضيه وخوفه من مستقبله.
مسرحية 'الحارة'، إخراج إيهاب سالم والمخرج المنفذ يوسف غريب، تمثل تجربة مسرحية متكاملة تجمع بين السرد التاريخي العميق والصراع الاجتماعي الملموس. ليس العمل مجرد عرض عابر للحياة اليومية في حارة مصرية قديمة، بل هو رحلة عبر أكثر من قرن من التاريخ المصري الحديث، من ثورة 1919 مرورًا بالحربين العالميتين، ثم ثورة 1952، وحتى نهايات القرن العشرين، حيث يبرز الصراع بين القديم والجديد، بين التمسك بالهوية ونداء التغيير.
لا يمكن إغفال دور مساعدي الإخراج ريهام صلاح، صدفه محمد، يوسف منتصر، زياد محمد، ومحمود عبد الفتاح، الذين ساهموا في بلورة تفاصيل المشهد وخلق إيقاع متوازن بين الحركة على الخشبة والحوار الرمزي. كما أضاف الموسيقي زكي بعدًا صوتيًا يعزز الإحساس بالحنين والزمان المتغير، حيث تتناغم الموسيقى مع أزقة الحارة وأبوابها الخشبية لتصبح جزءًا من اللغة الرمزية للمسرحية.
ولا يغيب عن العمل البعد الرمزي للفن المسرحي نفسه؛ فالديكور والأزياء والحركة واللغة الحوارية تمثل مزيجًا متكاملًا من الحنين والواقعية. الحارة بأزقتها الضيقة وأبوابها الخشبية، تمثل الماضي المتجذر في وجدان الشخصيات والمجتمع، بينما الحديث عن بيع الحارة أو التحديث يمثل نداء التغيير الذي يفرض نفسه على كل مجتمع. إن الصراع بين القديم والجديد ليس مجرد صراع حول الممتلكات أو المصالح المادية، بل صراع الإنسان مع ذاته، مع قيمه، ومع الزمن نفسه، ما يجعل المسرحية دراسة حيّة للذاكرة التاريخية ولتطور المجتمع وعلاقاته الداخلية عبر الأجيال.