ads
ads

الفتوى بين النص الديني والواقع المتغير .. أكتب لكم عن الدكتور طلعت عكاشة

محمد مختار
محمد مختار

كانت الفتوى الدينية في كل العصور التي مرت على مصر أكثرمن مجرد رأي فقهي نظري بل كانت أداة فاعلة في تحديد مسارات السياسة والاقتصاد والاجتماع في المجتمع المملوكي. كما ترى الدراسة أن فهم هذه الدوران يمكن أن يُضيء على كيفية تفاعل الدين مع الدولة في سياقات تاريخية مماثلة.، وهو ما يعرضه الدكتور طلعت عكاشة في دراسته حول الفتوى في العصر المملوكي.

و يعد الدكتور طلعت عكاشة أحد الأسماء الفاعلة في المشهد الثقافي والأكاديمي، حيث تركز نتاجاته الفكرية على تقاطع التخصصات العلمية مع التحليل الثقافي. ويمكن استيضاح ملامح شخصيته العلمية ومنهجه من خلال استعراض الركائز الأساسية التي يعتمد عليها في مؤلفاته.

يتسم طرح الدكتور عكاشة بالالتزام الصارم بقواعد البحث الأكاديمي، حيث يعتمد في بناء فرضياته على التتبع التاريخي والتحليل المقارن. لا يكتفي المؤلف بسرد الوقائع، بل يسعى لتفكيك الظواهر وإعادتها إلى سياقاتها الأولى، مما يضفي على كتاباته طابعاً تحليلياً يبتعد عن السطحية أو الاكتفاء بالمعلومات العامة.

الدكتور طلعت عكاشةالدكتور طلعت عكاشة

و لم تكن مسيرة الدكتور طلعت عكاشة وليدة الصدفة، بل هي نتاج رحلة أكاديمية شاقة وممتعة في آن واحد. منذ بداياته، أظهر عكاشة ميلاً استثنائياً للغوص في أمهات الكتب، باحثاً عن الروابط الخفية بين الماضي والحاضر. هذا التكوين الرصين جعله يمتلك أدوات تحليلية فريدة، مكنته فيما بعد من تقديم قراءات نقدية وفكرية تتسم بالدقة والموضوعية.

و عندما تقرأ للدكتور طلعت عكاشة، فأنت لا تقرأ مجرد نصوص جافة أو معلومات مكدسة، بل تشعر بروح المؤلف ترفرف بين السطور. يتميز أسلوبه بـ 'السهل الممتنع'؛ فهو يخاطب النخبة بعمق فكره، ويصل إلى القارئ العادي بسلاسة لغته وهو ما يتضح في دراسته الأخيرة حول الفتوى في العصر المملوكي.

وتركز الدراسة على العصر المملوكي الإسلامي الذي شهد ازدهارًا حضاريًا وعلميًا في القاهرة وبلاد الشام، وقد لعبت الفتوى الدينية دورًا محوريًا في تنظيم الحياة العامة وحل معضلات المجتمع، لدرجة أن صدور الفتوى كان يُشكل مرجعًا مهمًّا لحسم القضايا السياسية والاجتماعية في تلك الفترة.

كما تتسم الدراسة التي قدمها الدكتور طلعت عكاشة بمنهجية استقرائية تسعى لفهم الدور الوظيفي للفتوى في العصر المملوكي، متجاوزةً الإطار الفقهي الضيق إلى فضاء التحليل التاريخي والسياسي. يركز الباحث في عمله على تفكيك العلاقة العضوية بين النص الديني والواقع المتغير، معتمداً على رصد تأثير الفقهاء في توجيه دفة الأحداث الكبرى.

الفتوى كأداة للشرعية السياسية

يرصد الدكتور عكاشة في دراسته التداخل الوثيق بين الفتوى وحركة السياسة، حيث يحلل كيف تحولت الآراء الفقهية إلى أداة لتعزيز الشرعية أو سحبها من سلاطين المماليك. ولا يكتفي الباحث بسرد وقائع التعيين والعزل، بل يدرس آليات توظيف الفقه في تدعيم القرارات السيادية والعسكرية، خاصة في فترات الأزمات والنزاعات الداخلية، مما يكشف عن شخصية باحث يعنى بدراسة موازين القوى وتأثير المؤسسة الدينية في صناعة القرار.

الأبعاد التنموية والمالية في الفقه السلطاني

في محور آخر، ينتقل عكاشة ببحثه إلى الجانب البراجماتي للفتوى، مستعرضاً أثرها في الاقتصاد والاجتماع. تتناول الدراسة كيفية تشريع الضرائب أو تنظيم موارد الدولة عبر الغطاء الفقهي، وهو ما يعكس قدرة الباحث على ربط التحولات الاقتصادية بالبنية التشريعية. تظهر هذه الجزئية حرص المؤلف على تقديم قراءة موضوعية لكيفية استجابة الفقهاء لمتطلبات الدولة المالية في ظل الظروف الضاغطة آنذاك.

الاستجابة الاجتماعية والضبط السلوكي

تختتم الدراسة بتناول دور الفتوى في تنظيم الحياة اليومية للمجتمع العام، حيث يحلل الدكتور عكاشة مواقف الفقهاء من القضايا المستجدة مثل 'البدع'، وطرق مواجهة الأوبئة، وتنظيم العلاقات البينية لمكونات المجتمع. تعكس هذه المعالجة رؤية المؤلف للفتوى كظاهرة اجتماعية حركية وليست مجرد نصوص جامدة، حيث يسلط الضوء على مرونة المنظومة الفقهية في التكيف مع الاحتياجات المتجددة للمجتمع المملوكي.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً