ثمة مأساة صامتة نعيشها في علاقتنا بماضينا، وهي تلك الفجوة النفسية التي اتسعت بمرور الزمن حتى اعتدنا أن ننظر إلى الأثر بوصفه "جثة" محنطة تقبع خلف الأسوار العالية، أو مجرد عهدة إدارية تتبع وزارة من الوزارات، وكأن التاريخ ملكية خاصة لمؤسسات الدولة وليس ملكاً للناس. إننا أمام رؤية قاصرة تتعامل مع الحجر كشيء ميت، بينما الحقيقة التي تغيب عن الكثيرين هي أن هذا الأثر لم يُشيد ليكون غريباً عن أصحابه أو منفصلاً عن نبض الشارع، بل وُضع ليكون حلقة وصل في قصة استمرار إنساني لا تنقطع، وكتاباً مفتوحاً يحكي كيف عاش الأجداد وكيف يمكن للأحفاد أن يستلهموا من هذا الصمود عبقرية البقاء.
من هنا، تأتي مبادرة "الأثر لنا" اليوم لتعيد صياغة هذا المفهوم وتصحح المسار، فهي لا تكتفي بالدور التقليدي في ترميم الجدران المتصدعة أو تنظيف الأحجار من غبار السنين، وإنما تمتد رسالتها لترميم الوجدان المصري ذاته وإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن وتاريخه. إن كلمة "لنا" في شعار المبادرة ليست مجرد ضمير ملكية لغوي، بل هي "صك استعادة" للحق الضائع في الجمال، وإعلان صريح بأن هذا التاريخ يجب أن يخرج من حيز المتاحف الصامتة ليكون جزءاً حياً من رصيف الشارع، ومصدراً لرزق الناس، ومكوناً أصيلاً في يوميات الشباب الذين يبحثون عن هوية تميزهم في عالم يتجه نحو التشابه والنمطية.
إن الفلسفة التي تحرك هذا العمل تتجاوز فكرة "الحفاظ" السلبي إلى فكرة "الإحياء" الإيجابي، حيث يتحول الأثر من عبء تاريخي يتطلب الحراسة، إلى طاقة ملهمة تفتح أبواباً للإبداع والعمل. فعندما يشعر الشاب في منطقة "الخليفة" أو غيرها أن هذا المسجد أو ذلك السبيل هو جزء من كيانه الشخصي ومن مستقبله الاقتصادي والجمالي، فإنه يتحول تلقائياً من عابر سبيل لا يبالي بالأثر، إلى حارس غيور يبدع في استلهام تفاصيله وتحويلها إلى فنون وحرف عصرية. إنها محاولة جادة لجعل التاريخ يمشي بين الناس من جديد، لا كذكريات باهتة، بل كحياة تنبض بالفرص وتزهو بالجمال.
إن الفجوة التي تفصل الشاب المعاصر عن تاريخه وجذوره ليست مجرد فجوة زمنية تُقاس بالقرون والسنوات، بل هي في جوهرها أزمة رؤية وقصور في إدراك المعنى، فنحن قد حبسنا الجمال الكامن في مآذن حي الخليفة وزخارفه داخل إطار "الهندسة الباردة" أو التوصيف الأثري الجاف، بينما الحقيقة هي أن هذا الإرث يمثل لغة بصرية شديدة الحداثة والحيوية إذا ما أحسنَّا النظر إليها بعيون اليوم. إن ما نراه فوق الجدران ليس مجرد أحجار صمتت، بل هو خطاب فني متجدد، ينتظر من يستنطقه ليعيد اكتشاف تلك العبقرية التي صاغها الأجداد، لا لتبقى حبيسة الماضي، بل لتكون منطلقاً لابتكارات لا تعرف الحدود.
وحين ينخرط الشباب اليوم في تأمل تلك التفاصيل الدقيقة، بدءاً من لعبة تداخل الظل والنور في ثنايا المشربيات الخشبية وصولاً إلى عبقرية الخطوط الهندسية التي تترجم فلسفة الكون، فإنهم في واقع الأمر لا يقرأون تاريخاً ميتًا أو صفحات صفراء من كتب التراث، بل يستلهمون طاقة إبداعية خلاقة قادرة على التحول بين أيديهم إلى فنون حية تنبض بالعصر. إن الأثر في عرف الجيل الجديد يجب ألا يظل متحفاً جامداً يُمنع فيه اللمس أو يُكتفى فيه بالفرجة من بعيد، بل ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مختبراً واسعاً للإبداع المفتوح، حيث تتحول "الموتيفة" أو الوحدة الزخرفية التي أبدعها فنان فطري مجهول قبل مئات السنين إلى مادة خام ملهمة لتصميم عصري في الحلي، أو فلسفة جديدة في العمارة، أو حتى تشكيلاً بصرياً مبهراً في عالم الفنون الرقمية.
إن الهدف الأسمى هو أن تتحول هذه "الجماليات التاريخية" إلى أدوات إنتاج في يد الشاب المصري، بحيث لا يشعر بالاغتراب وهو يقف أمام مئذنة أو قبة، بل يشعر بالانتماء لنسق فني عالمي بدأ من هنا ويمكن أن يعود للصدارة من هنا أيضاً. إننا حين نربط عين الشاب بجماليات أثره، فإننا لا نعطيه درساً في التاريخ، بل نمنحه مفتاحاً للمستقبل، ونعلمه كيف يستخلص من "القديم" روحاً "جديدة" تماماً، تجعل من الهوية المصرية علامة تجارية ومن الفن التاريخي لغة عالمية يفهمها إنسان القرن الحادي والعشرين ويقدر قيمتها.
إن حماية الأثر الحقيقية، في جوهرها وجدواها، لا تأتي بزيادة عدد الحراس المدججين بالهراوات، ولا بمضاعفة الأسوار الحديدية التي توحي بالرهبة والقطيعة، بل تأتي من طريق آخر تماماً: بتحويل هذا الأثر إلى "قيمة مضافة" وملموسة في حياة الناس اليومية. فحين يدرك الشاب أن بإمكانه تطويع هذا الإرث العظيم، واستنطاق وحداته الزخرفية ليصنع منها ابتكاراً عصرياً يواكب لغة العصر واحتياجات السوق، فإنه يتحول تلقائياً من مجرد "مشاهد محايد" يمر بالأثر كأنه عابر سبيل، إلى "حارس غيور" يدافع عن وجوده؛ لأن هذا الوجود أصبح مرتبطاً بكيانه المهني، وبقدرته على الإبداع، وبفرصته في بناء مستقبل يخصه هو قبل أي شخص آخر.
إننا أمام دعوة مفتوحة لما يمكن أن نسميه "المواطنة الجمالية"، وهي الحالة التي يشعر فيها المواطن أن جمال مدينته وتاريخها ليس ملكية للدولة، بل هو حق شخصي له وجزء من كرامته الإنسانية. وفي رحاب هذه المواطنة، يذوب الجمود بين القديم والحديث، حيث يلتقي التراث بـ "الديجيتال"، وتلتحم أصالة الماضي بجرأة المستقبل وأدواته التقنية. إن هذا الاندماج هو الضمانة الوحيدة لكي لا يظل الأثر مجرد "طلل" مهجور أو ذكرى حزينة نبكي عليها في الندوات، بل يتحول إلى "طاقة دفع" هائلة نتحرك بها نحو غدٍ يزهو بهويتنا المصرية المتفردة، ويمتلك في الوقت نفسه أدوات عصره في آن واحد.
بهذا المعنى، يصبح كل مشغل للحرف اليدوية في "الخليفة"، وكل معمل للتصميم الرقمي يستلهم من "القرافة"، وكل ورشة لتعليم الصبية فنون الزخرفة، هي القلاع الحقيقية التي تحمي آثارنا. إن الهدف ليس حبس الشباب في الماضي، بل استدعاء الماضي ليكون وقوداً لمستقبلهم؛ لكي يخرج الأثر من قمقمه التاريخي ويصبح رفيقاً للشاب في دراسته، وعمله، وطموحه، وتلك هي القمة في استعادة الشخصية المصرية التي لا تكتفي بالاعتزاز بأجدادها، بل تسعى لتكون جديرة بهم عبر العمل والخلق والابتكار.