لم تعد الاحتجاجات التي تجتاح الشارع الإيراني مجرّد انفجارات غضب معيشية عابرة، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لانهيار عميق في بنية الاقتصاد والدولة معًا.
ففي الوقت الذي تتسع فيه رقعة التظاهرات وتخرج فئات كانت تُصنَّف تقليديًا خارج دائرة الاحتجاج، يكشف سقوط بنك «آينده» عن الوجه الأخطر للأزمة، حيث يتحول الفشل المالي إلى شرارة سياسية تهدد استقرار النظام نفسه. وبين انهيار الريال، وتآكل الطبقة الوسطى، وفقدان الثقة في المؤسسات، يجد الإيرانيون أنفسهم أمام مشهد تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية مع الغضب الشعبي، في لحظة فارقة قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين الدولة والمجتمع.
انهيار بنك «آينده» يشعل أزمة اقتصادية
تحوّل انهيار بنك «آينده» الإيراني من فشل مالي محدود إلى أزمة سياسية واقتصادية واسعة، كاشفًا هشاشة النظام المصرفي الإيراني وعمق الاختلالات التي يعانيها الاقتصاد في ظل العقوبات والضغوط الإقليمية المتصاعدة.
فالبنك الذي كانت إدارته خاضعة لمقربين من دوائر النفوذ في النظام، أصبح رمزًا صارخًا لتداخل المال بالسياسة، وانعكاس ذلك مباشرة على استقرار الدولة.
إدارة مثيرة للجدل وفشل بنيوي
أظهرت تقارير اقتصادية نقلتخا صحيفة ' ايران إنترناشيونال' أن إدارة بنك «آينده» كانت عمليًا تحت سيطرة شخصيات مرتبطة بالنظام الإيراني، ما حال دون إخضاعه لرقابة حقيقية.
هذا الوضع سمح بتوجيه الجزء الأكبر من موارده إلى مشاريع خاصة تخدم مصالح محددة، بدلًا من توظيفها في نشاط مصرفي مستدام، الأمر الذي قاد في النهاية إلى عجز حاد وانهيار مالي واسع.
دمج قسري وطباعة أموال
في محاولة لاحتواء الأزمة، لجأت الحكومة الإيرانية إلى دمج بنك «آينده» قسرًا في بنك «ملي» الحكومي، أحد أكبر البنوك المملوكة للدولة.
كما عمدت إلى طباعة كميات إضافية من العملة لتغطية الخسائر، دون معالجة الأسباب الهيكلية للفشل، وهو ما فاقم معدلات التضخم وساهم في تسريع تدهور العملة المحلية.
الريال تحت ضغط غير مسبوق
جاء انهيار البنك في وقت يعاني فيه الريال الإيراني من ضغوط شديدة، متأثرًا بالعقوبات الأمريكية المستمرة، إضافة إلى تراجع تدفقات الدولار من العراق، والتي كانت تشكل متنفسًا مهمًا للاقتصاد الإيراني. هذا التراجع أدى إلى فقدان العملة لقيمتها بوتيرة متسارعة، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية.
الشارع يدخل على خط الأزمة
اللافت في تطورات الأزمة هو نزول فئات تقليدية غير معروفة بالاحتجاج إلى الشارع، من بينها تجار وأصحاب أعمال، احتجاجًا على تآكل مدخراتهم وانهيار قدرتهم الشرائية. وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا خطيرًا على انتقال الغضب من الهامش إلى قلب القاعدة الاقتصادية التي طالما شكّلت سندًا للاستقرار.
دور علي أنصاري وشبهات الفساد
يتصدر اسم مؤسس البنك، علي أنصاري، المشهد بوصفه أحد أبرز المقربين من الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد. وقد خضع أنصاري لعقوبات بريطانية على خلفية اتهامات بتمويل الحرس الثوري. وتشير تقارير إلى أن نحو تسعين بالمئة من موارد البنك وُجّهت إلى مشاريع يسيطر عليها أنصاري، أبرزها مشروع «إيران مول» الضخم والمثير للجدل.
نموذج أقرب إلى الاحتيال
وصف خبراء اقتصاديون نموذج عمل بنك «آينده» بأنه أقرب إلى «مخطط بونزي»، حيث جرى استخدام أموال المودعين الجدد لتغطية خسائر سابقة وتمويل مشاريع غير منتجة، في غياب عائدات حقيقية، ما جعل الانهيار مسألة وقت لا أكثر.
قطاع مصرفي تحت سيطرة الدولة
تسيطر الدولة الإيرانية حاليًا على نحو سبعين بالمئة من القطاع المصرفي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد صدمات إقليمية متلاحقة وسقوط حلفاء لطهران في أكثر من ساحة. ويعاني النظام المصرفي من عجز مزمن وانعدام السيولة، مع تحذيرات من أن خمسة بنوك أخرى مهددة بالمصير نفسه.
انهيار اجتماعي ومعيشي
فقدت العملة الإيرانية الجزء الأكبر من قيمتها خلال الفترة الأخيرة، فيما قفزت أسعار الغذاء بشكل حاد، ما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى وانزلاق شرائح واسعة نحو الفقر. وفي مواجهة العجز، تبنت الحكومة ميزانية تقشفية قاسية شملت تقليص دعم الخبز والوقود، ما زاد من حدة الغضب الشعبي.
هروب رؤوس الأموال وتصاعد الاحتجاجات
قدّرت تقارير اقتصادية حجم هروب رؤوس الأموال من إيران بمليارات الدولارات، في ظل فقدان الثقة بالقطاع المصرفي والمستقبل الاقتصادي. وعلى الرغم من القمع الأمني، تتصاعد الاحتجاجات بوتيرة متزايدة، وسط مخاوف رسمية من فقدان السيطرة.
توقيت بالغ الحساسية
جاءت أزمة «آينده» في توقيت شديد الحساسية، عقب حرب يونيو مع إسرائيل ومريكا، وهي حرب أضعفت ثقة الشارع بقدرة الدولة على حماية البلاد وتأمين استقرارها، ما ضاعف من وقع الأزمة الاقتصادية والنفسية على المجتمع الإيراني.