في تطور ينذر بتصعيد إقليمي خطير، تتداخل الاحتجاجات غير المسبوقة التي تهز الداخل الإيراني مع تحركات عسكرية ودبلوماسية متسارعة في الشرق الأوسط، بعدما كشفت تقارير عن سحب الولايات المتحدة بعض أفرادها من قواعد عسكرية بالمنطقة، بالتزامن مع تحذيرات إيرانية مباشرة لدول الجوار من مغبة السماح بأي هجوم أمريكي. وبين تهديدات متبادلة، واضطرابات داخلية دامية، ومخاوف من تدخل عسكري وشيك، يدخل المشهد الإيراني مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة بأكملها.

ضربات القواعد العسكرية الأمريكية في الدول العربية
قال مسؤول أمريكي، يوم الأربعاء، بحسب وكالة رويترز إن الولايات المتحدة تسحب بعض أفرادها من قواعد عسكرية في الشرق الأوسط، وذلك بعد أن صرّح مسؤول إيراني رفيع بأن طهران حذّرت دول الجوار من أنها ستستهدف القواعد الأمريكية إذا شنت واشنطن هجومًا عليها.وفي الوقت الذي تحاول فيه القيادة الإيرانية السيطرة على أسوأ اضطرابات داخلية تواجهها إيران على الإطلاق، تسعى طهران إلى ردع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بالتدخل لدعم المحتجين المناهضين للحكومة.
امريكا تسحب أفراد من القواعد العسكرية
انسحاب أمريكي
وقال مسؤول أمريكي، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الولايات المتحدة تسحب بعض الأفراد من قواعد رئيسية في المنطقة كإجراء احترازي بسبب تصاعد التوترات الإقليمية.
وقال مسؤولان أوروبيان إن التدخل العسكري الأمريكي يبدو مرجحًا، مشيرًا أحدهما إلى أنه قد يحدث خلال الأربع والعشرين ساعة المقبلة. كما قال مسؤول إسرائيلي إن ترامب يبدو أنه اتخذ قرارًا بالتدخل، رغم أن نطاقه وتوقيته لم يتضحا بعد.
وأعلنت قطر أن تقليص الوجود الأمريكي في قاعدة العديد الجوية، وهي أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة، يتم في إطار الاستجابة للتوترات الإقليمية الحالية.
وقال ثلاثة دبلوماسيين إن بعض الأفراد طُلب منهم مغادرة القاعدة، دون مؤشرات فورية على عمليات إخلاء واسعة النطاق، كما حدث قبل ساعات من الضربة الصاروخية الإيرانية العام الماضي.
وكان ترامب قد هدد مرارًا بالتدخل دعمًا للمحتجين في إيران، حيث أفادت تقارير بمقتل آلاف الأشخاص خلال حملة قمع للاحتجاجات ضد الحكم الديني.
احتجاجات ايران
ووصفت إيران وخصومها الغربيون الاضطرابات، التي بدأت قبل أسبوعين احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتردية وتصاعدت بشكل حاد في الأيام الأخيرة، بأنها الأعنف منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وقال مسؤول إيراني إن أكثر من 2000 شخص لقوا حتفهم، بينما قدرت منظمة حقوقية عدد القتلى بأكثر من 2600 شخص.
وقال رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، عبد الرحيم موسوي، إن إيران 'لم تواجه من قبل هذا الحجم من الدمار'، ملقيًا باللوم على أعداء أجانب.
من جانبه، وصف وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو ما يجري بأنه 'أعنف قمع في التاريخ المعاصر لإيران'.
واتهمت السلطات الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء الاضطرابات، ووصفت المشاركين فيها بأنهم 'إرهابيون مسلحون'.
قال مسؤول إيراني رفيع، طلب عدم الكشف عن هويته، إن طهران طلبت من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة منع واشنطن من شن هجوم على إيران.
ايران تصعد
وأضاف أن إيران أبلغت دولًا إقليمية من بينها السعودية والإمارات وتركيا بأن القواعد الأمريكية في تلك الدول ستتعرض لهجمات إذا استهدفت الولايات المتحدة إيران.
وأشار المسؤول إلى أن الاتصالات المباشرة بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف قد توقفت.
وتنتشر القوات الأمريكية في أنحاء المنطقة، بما في ذلك مقر القيادة المتقدمة للقيادة المركزية الأمريكية في قاعدة العديد بقطر، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
وقالت منظمة 'هرانا' الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، إنها وثقت حتى الآن مقتل 2403 متظاهرين و147 شخصًا من الموالين للحكومة، وهو عدد يفوق بكثير ضحايا احتجاجات عامي 2009 و2022.
وتضررت هيبة الحكومة الإيرانية بشدة العام الماضي بعد حملة قصف إسرائيلية استمرت 12 يومًا في يونيو، شاركت فيها الولايات المتحدة، وذلك عقب خسائر لحلفاء إيران في لبنان وسوريا. كما أعادت دول أوروبية فرض عقوبات أممية على إيران بسبب برنامجها النووي، مما فاقم الأزمة الاقتصادية.
ورغم أن الاضطرابات فاجأت السلطات في وقت حساس، قال مسؤول غربي إنها لا تشير إلى قرب انهيار الحكومة، وأن الأجهزة الأمنية لا تزال تسيطر على الوضع.
وسعت السلطات إلى إظهار أنها لا تزال تحظى بدعم شعبي، حيث بث التلفزيون الرسمي مشاهد جنازات حاشدة في طهران وأصفهان وبوشهر ومدن أخرى، رُفعت خلالها الأعلام وصور المرشد الأعلى علي خامنئي ولافتات مناهضة لأعمال الشغب.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال اجتماع لمجلس الوزراء، إن الحكومة ما دامت تحظى بدعم الشعب فإن 'كل جهود الأعداء ضد البلاد ستبوء بالفشل'.
وأفادت وسائل إعلام رسمية بأن رئيس أعلى هيئة أمنية في إيران، علي لاريجاني، تحدث مع وزير خارجية قطر، بينما أجرى عباس عراقجي اتصالات مع نظرائه في الإمارات وتركيا، مؤكدًا أن 'الهدوء يسود'.
وخلال زيارة لسجن في طهران يحتجز فيه متظاهرون، قال رئيس السلطة القضائية إن سرعة محاكمة ومعاقبة من 'قطعوا رؤوس الناس أو أحرقوهم' ضرورية لمنع تكرار هذه الأحداث.
وأفادت منظمة هرانا باعتقال 18,137 شخصًا حتى الآن.
كما ذكرت منظمة 'هنغاو' الكردية لحقوق الإنسان أن شابًا يبلغ من العمر 26 عامًا يُدعى عرفان سلطاني، اعتُقل على خلفية الاحتجاجات في مدينة كرج، كان من المقرر إعدامه يوم الأربعاء، دون تأكيد تنفيذ الحكم حتى الآن.