تواجه صناعة السينما والدراما المصرية موجة من الجدل حول ارتفاع أجور الفنانين وتكاليف الإنتاج، بعدما خرج عدد من المنتجين إلى العلن للتحذير من صعوبة الاستمرار بالآليات المالية الحالية، وبين مطالب النجوم بالحفاظ على أجورهم، وضغوط الميزانيات ومحدودية عوائد التوزيع، يبرز تساؤل حول قدرة شركات الإنتاج على استكمال مشروعاتها والالتزام بمواعيد طرحها خلال المواسم المقبلة.
ولم تعد أزمة أجور النجوم وتكاليف الإنتاج مجرد خلافات تعاقدية داخل الوسط الفني، فقد تحولت إلى نقاش علني بين منتجين وفنانين حول قدرة شركات الإنتاج على تمويل الأعمال وتسويقها، في وقت تتراجع فيه ميزانيات بعض المشروعات مقارنة بتكاليف تنفيذها، ولم تعد الأزمة مقتصرة على أجور الأبطال، بل تمتد إلى مصروفات فرق العمل المصاحبة، والإقامة والانتقالات والوجبات، فضلًا عن رسوم التصوير.
وحذرت المنتجة مها سليم، من تداعيات استمرار ارتفاع أجور العاملين وتكاليف الإنتاج في صناعة الدراما المصرية، في ظل ثبات حجم الإنفاق الإعلاني وعدد القنوات والمنصات، داعية جميع العاملين في الصناعة إلى مراجعة مطالبهم المالية ومراعاة الظروف الاقتصادية والإنتاجية، لتجنب تعثر الشركات وتوقف مشروعات جديدة.
زيادة الأجور والمصروفات تضغط على الإنتاج
وكتبت مها سليم، عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، أن جميع العاملين في الصناعة يتحملون مسؤولية الوصول إلى الوضع الحالي، محذرة من تفاقم الأزمة إذا استمرت معدلات زيادة الأجور والمطالب المصاحبة للعمل على النحو نفسه.
وأوضحت أن بعض العاملين الذين كانوا يتقاضون جنيهًا في العام الماضي أصبحوا يطلبون ثلاثة جنيهات في العام الحالي، مشيرة إلى ارتفاع مطالب توفير السيارات لنقل العاملين، سواء من النجوم أو فرق العمل خلف الكاميرا، إلى جانب زيادة أعداد المساعدين والفرق المصاحبة للفنانين.
ثبات الإعلانات والمنصات يفاقم الأزمة
ولفتت المنتجة إلى أن حجم الإنفاق الإعلاني لم يشهد، زيادة موازية لارتفاع التكاليف، مشيرة إلى انتقال جزء من الإنفاق إلى وسائل أخرى بعيدًا عن الشاشات، في حين لم يطرأ تغير مماثل على عدد القنوات والمنصات المتاحة لتسويق الأعمال الدرامية.
وترى مها سليم أن استمرار ارتفاع الأجور والمصروفات دون نمو مماثل في موارد التسويق يضع شركات الإنتاج أمام ضغوط متزايدة، ويزيد صعوبة تحقيق التوازن بين تكاليف تنفيذ الأعمال والعوائد المتوقعة منها.

مها سليم: استمرار العمل أفضل من توقف الإنتاج
وطالبت مها سليم جميع العاملين، من المنتجين إلى أصغر عناصر العمل، بمراعاة الظروف الاقتصادية والإنتاجية عند تحديد أجورهم ومطالبهم، معتبرة أن التنازل عن جزء من المقابل المالي المطلوب قد يكون أفضل من توقف العمل وخسارة فرص التشغيل.
وأكدت أن صناعة الدراما توفر مصدر رزق لعدد كبير من الأسر، داعية إلى التعاون بين مختلف أطرافها من أجل استمرار الإنتاج والحفاظ على فرص العمل.
واختتمت رسالتها بالتأكيد على أهمية تكاتف العاملين في الصناعة لمواجهة الأزمة، محذرة من أن التحديات لا تقتصر على ارتفاع التكاليف، وإنما تمتد إلى مشكلات التسويق والإنتاج التي تواجه الشركات.
وأيد الفنان صلاح عبدالله، ما طرحته المنتجة مها سليم بشأن أزمة ارتفاع أجور الفنانين وتكاليف الإنتاج في صناعة الدراما، داعيًا المنتجين إلى توحيد مواقفهم والتنسيق فيما بينهم لمواجهة الأزمة، مع التشديد على ضرورة عدم تحميل صغار العاملين تبعاتها.
صلاح عبدالله: توحدوا دون الإضرار بصغار العاملين
وكتب عبدالله، في تعليق على منشور المنتجة: «كلامك يا بنتي 100/100»، موجهًا رسالته إلى المنتجين قائلًا: «توحدوا ونفذوا بس إوعوا تيجوا عالصغيرين اللي أجورهم ملاليم».

وجاء تعليق الفنان صلاح عبدالله بعد أن مازح مها سليم بشأن عدم الاستعانة به في الأعمال، قبل أن يؤكد جدية موقفه من القضية، معتبرًا أن التنسيق بين المنتجين ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة للضغط على العاملين الذين يتقاضون أجورًا محدودة.
تحذيرات من صعوبة استمرار الإنتاج الدرامي
وطرح المخرج عمرو سلامة مجموعة من المقترحات للتعامل مع الأزمات التي تواجه صناعة السينما والدراما التلفزيونية، مستعرضًا أبرز التحديات الاقتصادية والإنتاجية التي يرى أنها تؤثر على الصناعة، وفي مقدمتها ضعف القدرة الشرائية للجمهور، والقرصنة، وارتفاع تكاليف الإنتاج وأجور النجوم، إلى جانب احتكار الإنتاج وسبل العرض، وتراجع أهمية المحتوى المصري لدى بعض الأسواق المستوردة.
أزمة اقتصادية وضعف القدرة الشرائية
وقال سلامة، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، إن الأزمة الاقتصادية تمثل السبب الأبرز وراء تراجع قدرة الجمهور على الإنفاق على الترفيه، مشيرًا إلى أن نسبة لا تتجاوز 2% من الشعب المصري، تستطيع تحمل تكلفة تذاكر السينما لأسرة أو الاشتراك في المنصات الرقمية، معتبرًا أن الإنفاق على المحتوى الترفيهي أصبح رفاهية بالنسبة إلى غالبية المواطنين.
وأضاف أن القرصنة تمثل تحديًا آخر أمام الصناعة، في ظل إتاحة المحتوى مجانًا عبر وسائل غير قانونية، إلى جانب تأثير الأزمات الإقليمية وما يصاحبها من مخاوف وتضخم وتراجع في الرغبة الشرائية.
وأشار سلامة إلى تراجع أهمية المحتوى المصري لدى بعض مستورديه، معتبرًا أن اتجاه الصناعة إلى إنتاج أعمال تستهدف الأسواق الخارجية قد يؤدي إلى ابتعادها عن اهتمامات الجمهور المحلي، في ظل اختلاف أذواق الجمهورين، وصعوبة تغطية تكاليف الإنتاج من السوق المصرية وحدها.
احتكار الإنتاج وارتفاع أجور النجوم
وتطرق المخرج إلى احتكار بعض الجهات للإنتاج أو سبل العرض، موضحًا أن ذلك يحد من فرص المنافسة، في ظل امتلاك هذه الجهات ميزانيات كبيرة وقدرة أكبر على استقطاب النجوم، وهو ما يضع المنتجين الآخرين أمام صعوبة في المنافسة.
كما لفت إلى تضخم أجور النجوم وتكاليف الإنتاج، موضحًا أن الاعتماد على اسم النجم بوصفه عنصرًا أساسيًا في تسويق العمل أدى إلى استحواذ أجره على الجزء الأكبر من الميزانية، وقد يصل في بعض الحالات إلى ضعف الميزانية الإجمالية للعمل، بحسب تقديره.
خفض التكاليف وفتح المنافسة
وطرح سلامة عددًا من المقترحات لمواجهة هذه التحديات، داعيًا الدولة إلى مساندة الصناعة من خلال تخفيف الأعباء المالية عن المنتجين، بما يشمل الضرائب وتكاليف التصوير في الشوارع والأماكن التابعة للدولة، حتى في حال عدم تقديم دعم مالي مباشر للإنتاج.
وفيما يتعلق بالقرصنة، طالب بتطبيق القوانين على أرض الواقع، إلى جانب التعاون مع شركات الاتصالات وتسهيل وسائل الدفع الإلكتروني، وإطلاق حملات توعية للتعريف بأضرار القرصنة وسبل الحد منها.
ودعا سلامة العاملين في الصناعة إلى مراعاة الظروف الاقتصادية والإقليمية الصعبة، وتقديم تنازلات تتناسب مع المرحلة الحالية، مقترحًا التوسع في إنتاج أعمال تعتمد على وجوه جديدة وميزانيات واقعية تتناسب مع القدرة الشرائية للمشاهد المصري، وتعبر عن اهتمامات الأغلبية، وليس فقط الفئات القادرة ماديًا.
وشدد على أهمية فتح المجال أمام المنافسة الحقيقية بين جهات الإنتاج، معتبرًا أن المنافسة تسهم في تحسين جودة الأعمال وزيادة عددها، وأن بقاء الأفضل يجب أن يستند إلى الكفاءة، وليس إلى امتلاك الإمكانات المالية الأكبر.
شراكة مع النجوم في الأرباح بدلًا من الأجور المرتفعة
ومن بين الحلول التي اقترحها سلامة، إعادة النظر في آليات التعاقد مع النجوم الأعلى أجرًا، من خلال خفض الأجور مقابل حصولهم على نسبة من الأرباح، مع الالتزام بسداد المستحقات المالية في مواعيدها، بما يضمن حصولهم على الدفعات المتفق عليها، إلى جانب الاستفادة من أي أرباح إضافية يحققها العمل أو من ارتفاع سعر بيعه.
وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب مراعاة مصالح جميع أطراف الصناعة، وعدم تحميل الطرف الأضعف والأقل قدرة مالية وحده تبعات الأزمة، مشيرًا إلى أن الخلاف بين العاملين لن يؤدي إلى حلول مستدامة في ظل التحديات التي تواجه القطاع.
واختتم سلامة حديثه بالتأكيد على أن الحل يرتبط بالتفاهم بين جميع الأطراف، محذرًا من أن استمرار الخلافات دون الوصول إلى تسويات قد يجعل الجميع يدفعون ثمن الأزمة عاجلًا أو آجلًا.
وربط المنتج عمرو قورة بين التحذيرات التي نشرها عدد من المنتجين والفنانين بشأن مستقبل صناعة الدراما، وارتفاع أجور النجوم وتكاليف الإنتاج، محذرًا من أن استمرار الزيادات بالتوازي مع محدودية قنوات التوزيع قد يدفع شركات الإنتاج إلى الانسحاب من الموسم الرمضاني، داعيًا إلى تأسيس رابطة للمنتجين تضع ضوابط للأجور والمصروفات، وإعادة تنظيم العلاقة بين شركات الإنتاج والقنوات الفضائية والنجوم.
تحذيرات من خسائر الإنتاج وارتفاع تكاليف التصوير
وجاءت تصريحات قورة في منشور عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، تناول خلاله تزامن تحذيرات عدد من المنتجين في يوم واحد، قائلًا إنه يرى أن الصناعة تواجه مخاطر منذ نحو 10 سنوات، نتيجة التنافس على النجوم والقنوات، لكنه أبدى استغرابه من أن بعض العاملين لم ينتبهوا إلى خطورة الوضع إلا أخيرًا، وهو ما دفعه إلى سؤال عدد من أصدقائه المنتجين عن أسباب هذه المنشورات وتوقيتها.
وأوضح أن المنتجين الذين تواصل معهم ربطوا مخاوفهم بالمبالغة في أجور الفنانين وتكاليف الإنتاج، وما قد ينتج عن ذلك من خسائر، في ظل ما وصفه بتمركز التوزيع بين قنوات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وقنوات مجموعة إم بي سي، بما يتيح لهذه الشبكات، تحديد سقف لقيمة المسلسلات المعروضة عليها.
وأشار قورة إلى أن الزيادات السنوية في الأجور منذ عام 2019، مع استمرار المنتجين في قبولها ما دام العمل يحقق عائدًا، وصلت إلى مستويات باتت تثير القلق، لافتًا إلى أن بعض الشركات تدرس الانسحاب من الموسم الرمضاني المقبل، ليس فقط بسبب صعوبة إنجاز الأعمال في الوقت المحدد، وإنما أيضًا بسبب المخاوف من إنفاق مبالغ كبيرة مع احتمالات عدم استردادها.
وضرب مثالًا على تضخم المصروفات، قائلًا إن تكلفة الوجبات اليومية للعاملين في مواقع التصوير أصبحت تقترب من تكلفة يوم تصوير كامل قبل 10 سنوات، فيما تجاوزت مصروفات يوم التصوير، مليون جنيه دون احتساب أجور الفنانين، وهو مبلغ كان يكفي في السابق لتغطية يومين أو ثلاثة من التصوير.
رابطة للمنتجين وسقف للأجور
وطرح قورة مجموعة من المقترحات التي يرى أنها قد تساعد في الحد من الأزمة، في مقدمتها تشكيل رابطة لمنتجي الدراما تتولى التنسيق بشأن سقوف الأجور، ووضع ضوابط للطلبات التي يفرضها بعض النجوم، معتبرًا أن اتفاق شركات الإنتاج على قواعد مشتركة من شأنه الحد من المنافسة التي تؤدي إلى ارتفاع التكلفة.
ودعا كذلك إلى إشراك القنوات الفضائية في التفاوض على أجور النجوم قبل توقيع العقود، من خلال اتفاق ثلاثي يجمع القناة والمنتج والفنان، بحيث تتحمل القنوات مسؤولية أكبر في تحديد الأجور التي تتناسب مع القيمة التجارية للعمل، بدلًا من الاعتماد على اسم النجم وحده عند اتخاذ قرارات الشراء.
الذكاء الاصطناعي والمسلسلات القصيرة لخفض التكاليف
ومن بين المقترحات التي طرحها قورة، دراسة إنتاج المسلسلات بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، أو المزج بين التقنيات الحديثة والتصوير الفعلي، معتبرًا أن تطور هذه الأدوات قد يتيح خفض النفقات ويغير حسابات التعاقدات داخل الصناعة.
كما طرح إمكانية الاستعانة بصور النجوم وأصواتهم من خلال اتفاقات مقابل نسبة محدودة من أجورهم المعتادة، وهي فكرة تستلزم، حال تطبيقها، تنظيم الحقوق التعاقدية والملكية الفكرية والحصول على الموافقة على استخدام الصورة والصوت.
ودعا أيضًا إلى التوسع في إنتاج المسلسلات القصيرة، التي تتراوح مدة حلقاتها بين 5 و10 دقائق، قائلًا إنها قد تخفض تكاليف الإنتاج إلى الثلث، وكشف عن علمه بتبني أحد المنتجين هذا النموذج، متوقعًا أن يشهد توسعًا خلال الفترة المقبلة.
وشدد قورة على ضرورة وضع ميثاق عمل للدراما التلفزيونية ينظم أعداد العاملين في مواقع التصوير، ويحدد المسؤولية عند الاستعانة بأفراد إضافيين، ومن بينهم مساعدو النجوم، مع تحميل من يطلب وجودهم تكلفة أجورهم وانتقالاتهم وإعاشتهم، بما يحقق مزيدًا من الانضباط في المصروفات.
واختتم مقترحاته بالدعوة إلى التحرك قبل بدء التفاوض على أعمال عام 2027، مؤكدًا أن هدفه هو حماية مصالح مختلف العاملين في المنظومة، من أصغر العاملين في مواقع التصوير إلى المنتجين.
«الصناعة كلها في خطر».. تحذيرات متصاعدة من داخل الوسط الفني
وكتب المنتج عبدالله أبو الفتوح: «فعلا إحنا مش عارفين نشتغل، والشغلانة بتتآكل»، وهو المنشور الذي شهد تفاعلًا من عدد من الفنانين، بينهم داليا البحيري التي ربطت الأزمة، في تعليقها، بترك فنانين في منازلهم دون فرص عمل، فيما رأت رانيا محمود ياسين أن المنظومة تعاني خللًا منذ سنوات بسبب الأجور المبالغ فيها وتكاليف التصاريح والتصوير الخارجي.كما علقت نرمين الفقي معربة عن قلقها على مستقبل الصناعة والعاملين فيها، بينما كتبت رانيا محمود ياسين في تعليق آخر: «نفسي نرجع السكريبت هو النجم»، في إشارة إلى أهمية النص في عملية الإنتاج.
ومن جانبها، عبرت الفنانة منة فضالي عن استيائها من الأوضاع، وكتبت في منشور آخر: «البقاء لله في الشغلانة والفن وحسبي الله ونعم الوكيل»، فيما علقت على منشور مها سليم بعبارة: «باظت خلاص ربنا يرحمنا وربنا كبير».