ads
ads

ما وراء مطاردة الدهابة؟.. خريطة الذهب غير المشروع في الصحراء الشرقية

 الدهابة
الدهابة
كتب : أهل مصر

لم تعد ظاهرة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية مجرد محاولات فردية للبحث عن الثراء السريع، بل تحولت إلى ملف أمني واقتصادي معقد، تتداخل فيه أنشطة التعدين العشوائي مع شبكات نقل الخام والاتجار به، وسط تحديات متزايدة أمام أجهزة الدولة لإحكام الرقابة على المناطق الجبلية والحدودية الغنية بالذهب.

وعادت ظاهرة «الدهابة» إلى واجهة الاهتمام خلال نوفمبر 2026، بعدما كشفت القوات المسلحة عن نتائج حملة موسعة لمواجهة التنقيب غير القانوني، أسفرت عن ضبط مئات الأشخاص، ومصادرة معدات وآليات وأجهزة متخصصة، فضلًا عن كميات ضخمة من المواد المحجرية المحتوية على خام الذهب.

وتكشف الأرقام المعلنة عن اتساع نطاق الظاهرة، وتحولها من عمليات تنقيب محدودة إلى أنشطة تحتاج إلى إمكانات لوجستية واتصالات ومعدات ثقيلة، وهو ما دفع الدولة إلى إطلاق عملية «درع الجنوب» لحماية الثروات المعدنية وتأمين مناطق التعدين.

الصحراء الشرقية.. خريطة الذهب ومناطق نشاط الدهابة

تضم الصحراء الشرقية عددًا من أهم المناطق الغنية بخامات الذهب في مصر، وتمتد مناطق النشاط التعديني على نطاق واسع بمحافظة البحر الأحمر، من المناطق القريبة من سفاجا والقصير وصولًا إلى مرسى علم والمناطق الجنوبية.

وتبرز مناطق البرامية والفواخير وأم الروس وأم الطيور وحفافيت ووادي المياه وجبل إيقات ضمن المواقع ذات الأهمية التعدينية، سواء لاحتوائها على مؤشرات معدنية واعدة أو لارتباطها بمناطق امتياز وبحث واستكشاف.

وتكتسب هذه المناطق أهمية استراتيجية واقتصادية بسبب احتياطياتها المعدنية المحتملة، فضلًا عن طبيعتها الجغرافية التي تتسم بوجود سلاسل جبلية ووديان ومساحات صحراوية واسعة، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية أمام مراقبة الأنشطة غير المرخصة.

وفي المقابل، تعمل الدولة على جذب الشركات المتخصصة في البحث والتنقيب وفقًا للمعايير الدولية، بما يضمن استغلال الثروات المعدنية بصورة منظمة وتحقيق عوائد اقتصادية للدولة.

من التنقيب العشوائي إلى شبكات متكاملة.. ماذا كشفت المضبوطات؟

لا تقتصر أنشطة التنقيب غير المشروع عن الذهب على البحث عن الصخور الحاملة للخام، وإنما تمتد إلى مراحل متعددة تشمل استخراج المواد المحجرية ونقلها وطحنها ومعالجتها واستخلاص الذهب منها، وصولًا إلى تداوله خارج القنوات الرسمية.

وكشفت نتائج الحملة العسكرية الأخيرة عن ضبط معدات هندسية وفنية وأجهزة كشف معادن ومولدات كهربائية ومركبات، إلى جانب أجهزة اتصال لاسلكية وهواتف تعمل بالأقمار الصناعية، وهو ما يعكس حجم الإمكانات المستخدمة في بعض مواقع التنقيب غير القانوني.

كما تضمنت المضبوطات خيامًا ومنشآت ومخزونات للوقود والمياه، فضلًا عن معدات مرتبطة بعمليات استخلاص الذهب، بما في ذلك أحواض وعبوات لمواد كيميائية.

وتكمن خطورة هذه الأنشطة في استنزاف الثروات المعدنية بعيدًا عن الرقابة الرسمية، والإضرار بحقوق الدولة والشركات المرخصة، فضلًا عن المخاطر البيئية والصحية الناتجة عن الحفر والمعالجة العشوائية واستخدام مواد كيميائية خطرة.

حملة «درع الجنوب».. أرقام تكشف حجم المواجهة في 2026

شهد عام 2026 تصعيدًا في مواجهة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب، من خلال حملة موسعة أطلقتها القوات المسلحة بالتنسيق مع أجهزة الدولة المعنية، ونُفذت عبر ثلاث مراحل خلال الفترة من 14 يونيو حتى 29 أكتوبر.

وبحسب تصريحات المتحدث العسكري للقوات المسلحة، العقيد أركان حرب أحمد عتمان علي، خلال مؤتمر صحفي عقد في 5 نوفمبر 2026، أسفرت المراحل الثلاث عن ضبط 151 مصريًا و540 أجنبيًا، بإجمالي 691 شخصًا، إلى جانب 6614 شخصًا سلموا أنفسهم طواعية قبل بدء العمليات في المناطق المستهدفة.

وشملت أبرز المضبوطات:

916 معدة هندسية وفنية.

73 جهازًا للكشف عن المعادن.

433 مولدًا للطاقة.

317 مركبة و19 دراجة نارية.

34 قطعة سلاح مختلفة الأنواع.

6307 قطع من الذخائر مختلفة الأعيرة.

4488 خيمة وعشة.

نحو 860 طنًا من المواد المحجرية المحتوية على خام الذهب.

كما أعلن المتحدث العسكري ضبط معدات اتصال وأجهزة تعمل بالأقمار الصناعية، فضلًا عن مواد كيميائية وأحواض مرتبطة بعمليات استخلاص الذهب.

غرب مرسى علم وجبل إيقات والبرامية.. خريطة العمليات العسكرية

امتدت مراحل الحملة لتشمل عددًا من المناطق التعدينية المهمة بالصحراء الشرقية، من بينها غرب مرسى علم وجبل إيقات ووادي دبور ومنطقة البرامية.

وأوضح المتحدث العسكري أن المرحلة الأولى، التي نُفذت خلال يونيو 2026، شملت مناطق غرب مرسى علم وجبل إيقات، فيما استهدفت المرحلة الثانية منطقتي وادي دبور والبرامية خلال الفترة من نهاية يوليو وحتى أغسطس.

أما المرحلة الثالثة، التي نُفذت خلال الفترة من 12 إلى 29 أكتوبر، فاستهدفت إعادة تمشيط المناطق التي شملتها العمليات السابقة، والتأكد من عدم عودة أنشطة التنقيب غير المشروع، وتهيئة الظروف أمام الشركات المرخصة لاستئناف أعمالها.

وأعلنت القوات المسلحة بدء المرحلة الرابعة من الحملة اعتبارًا من السبت 7 نوفمبر 2026، مع استمرار التحركات حتى تحقيق الأهداف المحددة للقضاء على الظاهرة.

الحدود المصرية السودانية.. الذهب يدخل دائرة التعقيدات الأمنية

تتجاوز قضية التنقيب غير المشروع عن الذهب حدود النشاط التعديني المحلي، لتتصل بتحديات أمنية واقتصادية أوسع في المناطق الحدودية، خاصة مع استمرار الحرب في السودان وتوسع أنشطة التعدين الأهلي هناك.

وأشارت تقارير لوكالة رويترز إلى أن تجارة الذهب غير المشروعة تمثل أحد التحديات المرتبطة بالأوضاع في السودان، حيث أصبح الذهب مصدرًا مهمًا للإيرادات في ظل الصراع، مع وجود مخاوف من تهريبه عبر المناطق الحدودية إلى الأسواق المجاورة.

وفي تطور أمني لافت، أعلن المتحدث العسكري المصري مقتل ضابطين من حرس الحدود خلال مواجهة مرتبطة بملاحقة أنشطة التنقيب غير القانوني جنوب البلاد، في واقعة تعكس خطورة التعامل مع بعض العناصر المسلحة الموجودة في مناطق التعدين.

كما تناولت رويترز تقارير حقوقية بشأن سقوط ضحايا مدنيين في مناطق تعدين شمال السودان قرب الحدود المصرية، وهي ادعاءات تتطلب تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات والملابسات، مع ضرورة التمييز بين الوقائع التي أعلنتها السلطات المصرية والتقارير الصادرة عن جهات أخرى.

وأكد المتحدث العسكري أن العمليات المصرية لمواجهة التنقيب غير المشروع تُنفذ داخل الحدود المصرية، مشيرًا إلى وجود تنسيق مع الجانب السوداني بشأن تأمين الحدود وتبادل المعلومات.

لماذا يصعب القضاء على ظاهرة الدهابة؟

ترتبط صعوبة مواجهة التنقيب العشوائي بمجموعة من العوامل، في مقدمتها القيمة الاقتصادية المرتفعة للذهب، واتساع المناطق الصحراوية والجبلية، وصعوبة مراقبة جميع مواقع النشاط التعديني، إلى جانب وجود طلب على الخام خارج منظومة التداول الرسمية.

كما أن الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المناطق تتيح للعناصر المخالفة التحرك بعيدًا عن التجمعات السكانية، بينما تحتاج عمليات استخراج الذهب ومعالجته إلى معدات وموارد لوجستية قد تتجاوز قدرات المنقب الفردي.

وفي المقابل، يمثل انتشار التعدين غير المرخص تهديدًا للاستثمارات القانونية، ويؤثر على قدرة الشركات المرخصة على العمل في بيئة آمنة، فضلًا عن تعريض العاملين لمخاطر الحوادث والانهيارات والتلوث الكيميائي.

المعركة الحقيقية.. حماية الذهب أم تنظيم استغلاله؟

تكشف مطاردة الدهابة أن المواجهة الأمنية، رغم أهميتها، لا تمثل وحدها الحل النهائي للظاهرة، إذ يتطلب التعامل معها تطوير منظومة التراخيص والتعدين الأهلي، وتوسيع فرص الاستثمار القانوني، وإحكام الرقابة على تداول الخام ومراحل استخلاصه.

وتسعى مصر إلى زيادة مساهمة قطاع التعدين في الاقتصاد الوطني، من خلال جذب الشركات العالمية وتوسيع أنشطة البحث والاستكشاف، والاستفادة من الإمكانات المعدنية التي تمتلكها الصحراء الشرقية، وفي مقدمتها الذهب.

ويظل منجم السكري أحد أبرز نماذج الإنتاج التجاري للذهب في مصر، بما يعكس أهمية تحويل الثروات المعدنية إلى قيمة مضافة وفرص عمل واستثمارات مستدامة.

وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية لا تتوقف عند ملاحقة المنقبين غير المرخصين، وإنما تمتد إلى بناء منظومة متكاملة تضمن حماية ثروات الدولة، وتنظيم استغلالها، وتحويل الذهب الموجود في باطن الصحراء إلى مورد اقتصادي حقيقي يخدم التنمية وحقوق الأجيال المقبلة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً