ads
ads

"الديتfilter الروحي".في رمضان. الصيام عن مواقع التواصل الاجتماعي لاستعادة "الخلوة" المفقودة ( استوك رمضان )

فيس بوك
فيس بوك

في عالمٍ باتت فيه الشاشات هي النوافذ الوحيدة التي نطل منها على الواقع، وفي زمنٍ أصبحت فيه "الخوارزميات" هي التي تحدد ما نرى وما نسمع وما نشعر به، برزت حاجة ملحة لدى المسلم المعاصر لإيجاد مساحة من "الصفاء" وسط هذا الصخب اللامتناهي. ومن هنا وُلد مصطلح "الديتfilter الروحي" كاشتقاق يجمع بين تنقية النفس (Filter) وبين التخلص من السموم الرقمية (Detox). هذا المفهوم ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو "صيحة روحية" تحاكي في جوهرها سُنة "الاعتكاف" و"الخلوة" التي عرفها الزهاد والصالحون عبر العصور، لكنها في رمضان 2026 تتخذ شكلاً جديداً يتمثل في الصيام الطوعي عن منصات التواصل الاجتماعي، ليس كرهًا في التكنولوجيا، بل رغبةً في استعادة "الذات" التي تاهت بين غابات "اللايكات" و"التريندات".

إن فكرة "الديتfilter" تقوم على فلسفة "التخلية قبل التحلية"؛ فلكي يمتلئ القلب بأنوار القرآن وسكينة القيام في رمضان، لا بد أولاً من تخلية هذا القلب من "النفايات السمعية والبصرية" التي تتراكم طوال العام جراء الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي. ويرى علماء النفس الديني أن ما تفعله منصات التواصل في النفس البشرية هو حالة من "التشتت المزمن" الذي يجعل الانفراد بالنفس أمراً مخيفاً أو مملًا، وهو ما يتناقض جذرياً مع مقاصد الصيام التي تهدف إلى "تربية النفس على الوحدة مع الله". لذا، فإن الفتاوى الحديثة التي تشجع على الصيام الرقمي تنظر إليه كنوع من "تهذيب النفس"؛ حيث يتعلم المسلم كيف يصمت عن "التعليق" ليسمع صوت ضميره، وكيف يغض بصره عن "حياة الآخرين المصطنعة" ليبصر نعم الله الحقيقية في حياته، محققاً بذلك خلوة حديثة تعيد للروح توازنها في محراب العبادة.

ويُعد "الديتfilter الروحي" وسيلة فعالة لعلاج ظاهرة "الاستعراض الديني" التي تفشت مؤخراً، حيث يجد البعض نفسه مدفوعاً لتصوير صلاته أو مصحفه أو مائدته ونشرها لحظياً، مما قد يخدش إخلاص العمل ويحول العبادة من صلة سرية بين العبد وربه إلى مادة للعرض العام. إن الصيام عن المنصات في رمضان يمنح المسلم فرصة ذهبية ليعيش "العبادة الصامتة"، تلك التي لا يعلم عنها أحد إلا الله، مما يرسخ في النفس قيمة الإخلاص ويقطع طمعها في ثناء الناس. إنها رحلة هجرة من "الظهور" إلى "الخفاء"، ومن "الصورة" إلى "المعنى"، حيث يكتشف الصائم أن أجمل لحظات رمضان هي تلك التي لم يسجلها بهاتف، بل سجلتها ملائكته في صحيفة أعماله، وتلك الروحانية العميقة هي الثمرة الحقيقية لعملية "الفلترة" التي تنقي الروح من شوائب الرياء الرقمي.

علاوة على ذلك، يوفر "الديتfilter" وقتاً مهولاً كان يضيع في "التمرير اللانهائي"، ليتم استثماره في "التدبر اللانهائي" لآيات الله. فالفارق بين الشخص الذي يقضي سحره في تصفح الأخبار، والشخص الذي يقضيه في الاستغفار والتدبر، هو فارق في "جودة الصيام". إن هذه الخلوة الحديثة تتيح للعقل أن يسترخي من ضغوط "المقارنة الاجتماعية"؛ فالمسلم حين ينقطع عن المنصات، ينقطع عن مراقبة موائد الآخرين وعزوماتهم ورحلاتهم، مما يفتح باب "الرضا" على مصراعيه. إن "الديتfilter" هو في جوهره تصالح مع النفس وقبول بالمقسوم، وهو تفعيل حقيقي لمعنى "الزهد المعاصر" الذي لا يعني ترك الدنيا بالكلية، بل يعني ألا تملكك الدنيا وأدواتها، وأن تظل أنت السيد على هاتفك، لا عبداً لإشعاراته.

ختاماً، إن دعوة "أهل مصر" لقرائها لتبني نهج "الديتfilter الروحي" في هذا الرمضان هي دعوة للتحرر والارتقاء. إننا لا ندعو للاعتزال التام للحياة، بل لـ "وقفة محارب" يستجمع فيها المؤمن قواه الإيمانية، ويغسل روحه من غبار العالم الافتراضي. لنجعل من هذا الشهر تجربة استثنائية في الانقطاع للوصل؛ انقطاع عن الخلق لوصل الخالق، وصيام عن الشاشات لرؤية الحقائق. إن السكينة التي ستشعر بها حين تضع هاتفك جانباً وتفتح مصحفك بقلب حاضر، هي المكافأة الحقيقية التي لا تضاهيها كل أضواء العالم الرقمي، وهي الخطوة الأولى نحو صناعة إنسان جديد، يخرج من رمضان وقد استعاد ملكية نفسه، وعرف طريق الخلوة التي تضيء له عتمة الدروب في سائر العام.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
صلاة التراويح من مسجد الحسين في رابع ليالي رمضان (بث مباشر)