ads
ads

رمضان.. ذاكرة الود وتراتيل التكافل في مجتمع القرية والمدينة

 رمضان
رمضان

تتجلى خصوصية شهر رمضان المبارك في كونه ليس مجرد منسك ديني يلتزم فيه المسلم بالإمساك عن المفطرات، بل هو ظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة تضرب جذورها في وجدان الشعوب، ولعل ما تظهره ذكريات القرية القديمة يجسد هذا المعنى بأبهى صوره. ففي تلك الأيام الخالية، كانت الاستعدادات لاستقبال الشهر الفضيل تبدأ بصناعة "الفوانيس" اليدوية من أدوات بسيطة كبقايا "الكيزان" وفتائل القطن المغموسة في الكيروسين، حيث كان الضوء المنبعث منها يمثل بهجة فطرية لا تضاهيها أضواء المدن الصاخبة اليوم. كما كانت البيوت تتزين بالمناديل الورقية الملونة والقماشية البسيطة، في مشهد يعكس تكاتف أهل القرية صغاراً وكباراً لخلق أجواء احتفالية رغم شظف العيش وقسوة العمل نهاراً، حيث كان الفرح يُصنع بالأيدي وبأقل الإمكانيات المتاحة، مما يرسخ في النفوس قيم القناعة والابتهاج بالتفاصيل الصغيرة التي تجمع القلوب وتوحد المشاعر.

وتمتد هذه القيم لتشمل ممارسات التكافل الغذائي والاجتماعي التي كانت تُعرف بـ "تبادل الأطباق"، وهي عادة أصيلة كانت تذيب الفوارق بين الجيران وتجعل من مائدة الإفطار مأدبة واحدة ممتدة عبر بيوت القرية بأكملها. فلم يكن غريباً أن يخرج طبق "البامية" أو "الشوربة" من بيت ليعود محملاً بصنف آخر من بيت الجار، في حركة دؤوبة تعكس أسمى معاني الود والتواصل الإنساني قبل أذان المغرب. هذا التواصل لم يكن يقتصر على الطعام فحسب، بل كان يمتد ليشمل الرعاية المعنوية والسؤال عن الغائب، فكانت القرية بمثابة أسرة كبيرة تتقاسم لقمة العيش ومرارة التعب، حيث كان العمال والفلاحون يواجهون مشقة الصيام تحت لهيب الشمس بصبر وجلد، منتظرين لحظة الإفطار التي تجمعهم على المحبة، ومن ثم الاستماع لصوت "المسحراتي" الذي كان يجوب الطرقات المظلمة ليوقظ النائمين بطبلته الرزينة، معيداً للأذهان تراتيل السحر وجمالية السكون قبل بدء يوم صيام جديد.

أما في العصر الحديث، وعلى الرغم من التطور التكنولوجي وتوفر سبل الراحة من إضاءة كهربائية ووسائل ترفيه، إلا أن الروح الرمضانية لا تزال تبحث عن تلك الجذور الضاربة في التكافل والمسؤولية الاجتماعية. فقد تطورت أشكال العطاء من مجرد "طبق جيران" إلى حملات توعوية كبرى وإعلانات إنسانية تهدف لتنبيه الصائمين إلى ضرورة الحفاظ على الصحة، مثل المبادرات التي تدعو لتجنب السكريات المفرطة عند الإفطار والعودة لسنة التمر والماء، بالإضافة إلى الدور المتعاظم للشركات والمؤسسات في تعزيز صورتها الذهنية عبر مشاريع إفطار الصائم ودعم الأسر المتعثرة. إن هذا المزيج بين موروث الماضي وقيم الحاضر يؤكد أن جوهر رمضان يظل ثابتاً في قدرته على تهذيب النفوس وتقريب المسافات بين البشر، فما بين "فانوس الكيروسين" القديم وشاشات التوعية الحديثة، يبقى الهدف واحداً وهو ترسيخ قيم الرحمة، وبناء مجتمع مترابط يشعر فيه الفرد بآلام وآمال الآخرين.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً