ads
ads

"يريد الله بكم اليسر".. دليل صيام أصحاب الأعذار: الحامل، المرضع، وكبار السن

مسنة
مسنة

تتجلى سماحة الإسلام ووسطيته في أبهى صورها خلال شهر رمضان المبارك، حيث تبرز "الرخص الشرعية" كهدية ربانية تعكس تقدير الشارع الحكيم للطاقة البشرية ومراعاته للظروف الصحية والجسدية المتباينة بين العباد. إن هذه الرخص ليست مجرد استثناءات عابرة، بل هي جزء أصيل من منظومة التشريع التي ترفع شعار "الحفاظ على النفس" كواحد من أهم مقاصد الشريعة الخمسة.

فالمؤمن الذي يأخذ برخصة الإفطار عند وجود مسوغ شرعي لا ينقص أجره عن الصائمين، بل إنه في حقيقة الأمر يمارس نوعاً رفيعاً من العبادة، وهو "التعبد بالامتثال لترك الصيام" استجابة لأمر الله الذي يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه، مما يرسخ في الوجدان أن الغاية من العبادة هي تهذيب الروح وتزكيتها، وليست إرهاق الجسد أو تعريضه للتهلكة تحت وطأة التشدد أو المزايدة على أحكام الله.

وفيما يخص فئة النساء، وتحديداً الحامل والمرضع.

فقد استقر إجماع الفقهاء والمجامع الفقهية على أن للمرأة في هاتين الحالتين الحق في الإفطار إذا ما غلب على ظنها -بناءً على تجربة سابقة أو استشارة طبية موثوقة- أن الصيام قد يلحق ضرراً بها أو بجنينها أو برضيعها. وينطلق هذا الحكم من القاعدة الفقهية الكبرى "لا ضرر ولا ضرار"، حيث يمثل الجنين والرضيع أمانة تستوجب الرعاية المستمرة التي قد تتعارض مع ساعات الصيام الطويلة، خاصة في ظل الاحتياجات الغذائية والترطيبية الضرورية لنمو الطفل أو إدرار اللبن. وفي هذه الحالة، أوجبت الشريعة على المرأة "قضاء" ما أفطرته من أيام بعد زوال العذر واستعادة كامل صحتها وقدرتها، دون أن يترتب على ذلك إثم أو نقصان في الدرجات، بل تُحسب لها أيام إفطارها طاعة لله وحماية لنسلها الذي أُمرت بالحفاظ عليه، مما يجعل من فطرها واجباً شرعياً في حال تحقق الخطر المحقق.

أما بالنسبة لكبار السن الذين وهنت عظامهم، وأصحاب الأمراض المزمنة الذين لا يُرجى برؤهم أو شفاؤهم مما يمنعهم من الصيام الدائم، فقد فتح الله لهم باباً واسعاً من الرحمة يتمثل في "الفدية". فتقدير الشارع الحكيم لضعف الأجساد التي لم تعد تقوى على الإمساك عن الطعام والشراب أو الدواء، جعل من "إطعام مسكين عن كل يوم" وسيلة بديلة للامتثال والطاعة، تضمن بقاء هؤلاء في رحاب الشهر الكريم ومشاركتهم في بركاته دون مشقة تُعجزهم أو تعرض حياتهم للخطر. إن تشريع الفدية هنا ليس غرامة مالية، بل هو "جبر خاطر" وتكريم لكبار السن، وتأكيد على أن دائرة العبادة تتسع للجميع باختلاف قدراتهم، فمن عجز ببدنه شارك بماله لإطعام جائع، محققاً بذلك مقصداً اجتماعياً وتكافلياً عظيماً يضاف إلى مقاصد الصوم الروحية.

إن الفهم الصحيح والعميق لهذه الرخص الشرعية يحمي المسلم من الوقوع في فخ "الورع الكاذب" أو الحرج النفسي الذي قد يدفعه لصيام يضره صحياً، ويؤكد بوضوح أن العبادة هي استجابة واعية لما يطيقه العبد وما أمر به ربه، وليست مجرد إرهاق بدني مجرد من الحكمة. إن الله سبحانه وتعالى الذي أمر بالصيام هو نفسه الذي شرع الفطر لأصحاب الأعذار، وبذلك يصبح الأخذ بالرخصة في وقتها المناسب هو قمة الامتثال والتقوى. ومن هنا، يبرز دور الوعي الديني في تصحيح المفاهيم المغلوطة، لنشر ثقافة اليسر التي ميزت الإسلام، ولضمان أن يظل شهر رمضان موسماً للطمأنينة والسكينة لكل فئات المجتمع، دون إفراط يضيع العبادة أو تفريط يهلك الجسد.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً