ads
ads

محمد مختار يكتب عن الخيال السياسي في أدب إحسان عبد القدوس: عندما يتحول الحب والخيانة والانكسار إلى أدوات تعبير سياسي في زمن الكبت

محمد مختار
محمد مختار

ليس من اليسير، فى مناخ نقدى اعتاد تقسيم الأدب إلى رفيع وهابط، أن يُنظر إلى الأدب الشعبى بوصفه مجالًا لتشكيل الخيال السياسى، أو أن تُقرأ الميلودراما باعتبارها أداة تفكير فى السلطة لا مجرد وسيلة للإثارة الوجدانية. فقد استقر فى الذهن النقدى، زمنًا طويلًا، أن هذا اللون من الكتابة يقيم عند تخوم المتعة السريعة، وأن أقصى طموحه هو تحريك العاطفة لا مساءلة الواقع. غير أن هذه النظرة، حين تُختبر على مهل، تكشف عن قصور جوهرى فى فهم طبيعة الأدب ووظيفته، خاصة حين يشتبك بالنفس العامة فى لحظة تاريخية مضطربة.

إن الاقتراب المتأنى من هذا العالم السردى يبين أن ما يبدو، للوهلة الأولى، عاطفيًا خالصًا، إنما يقوم فى العمق على تصور سياسى كثيف، يتخفف من المباشرة ولا يتخلى عن المعنى. فالعاطفة هنا ليست نقيض الفكر، بل وسيلته المواربة، والخيال لا ينفصل عن الواقع بل يعيد صياغته فى صورة قابلة للتداول الشعبى. ومن ثم، فإن البساطة الظاهرة ليست دليل فقر فى الرؤية، بل قناع فنى يخفى وراءه شبكة معقدة من الأسئلة حول السلطة والشرعية وحدود الطاعة ولعل أبلغ ما يعبر عنه ذلك هو أدب إحسان عبد القدوس .

وتتجلى خصوصية هذا الخيال السياسى فى كونه لا ينطلق من التنظير أو الخطاب المجرد، بل من الخبرة الإنسانية اليومية، ومن العلاقة الحميمة بين الفرد وصورته عن الحاكم. فالحب، والخيانة، والانتظار، والانكسار، ليست هنا مجرد عناصر درامية، وإنما أدوات قياس سياسية، تُختبر بها الوعود الكبرى وتُفكك من خلالها صورة السلطة حين تفشل فى الوفاء. وبهذا المعنى، تتحول الميلودراما إلى معمل تخييلى تُعاد فيه صياغة العلاقة بين القوة والوجدان، بعيدًا عن اللغة الخشنة للشعارات.

ولعل ما يمنح هذا اللون من الكتابة قيمته النقدية أنه ينجح فى التعبير عما تعجز عنه اللغة السياسية المباشرة. فحين تضيق مساحات القول الصريح، تتسع مساحات الرمز، ويصبح السرد العاطفى وسيطًا خفيًا لتداول المعنى السياسى. هنا لا تُقال السلطة بوصفها مؤسسة، بل تُحس بوصفها علاقة، لا تُناقش باعتبارها برنامجًا، بل تُختبر باعتبارها وعدًا أخلاقيًا. وهكذا يتشكل خيال سياسى موازٍ، لا يناهض الواقع صراحة، لكنه يقوضه من الداخل، عبر تفكيك صورته فى الوجدان العام.

ومن ثم، فإن استبعاد هذا الأدب من دائرة التفكير السياسى لا يعكس فقره بقدر ما يعكس ضيق الأفق النقدى. ففى هذه النصوص، يتجلى وعى جمعى يفتش عن لغة بديلة للفهم والمساءلة، لغة تستند إلى العاطفة لا بوصفها ضعفًا، بل بوصفها طاقة تخييل قادرة على كشف التصدعات العميقة فى علاقة الفرد بالسلطة. وبذلك يغدو الأدب الشعبى، فى أحد وجوهه الأكثر خفاءً، سجلًا للخيال السياسى فى لحظاته الصامتة، حين يعجز الخطاب العلنى عن البوح، ويتكفل السرد بما تبقى من الحقيقة.

تتجلى رواية "في بيتنا رجل"، الصادرة في عام 1957، كواحدة من أهم العلامات السردية في مسيرة إحسان عبد القدوس، حيث استطاع من خلالها أن يغادر مناطق "أدب الحب" الضيقة ليقتحم فضاء "الأدب الملتزم" برؤية فكرية ناضجة. الرواية لم تكن مجرد رصد تاريخي للفترة الحرجة التي سبقت ثورة 23 يوليو، بل كانت أطروحة إبداعية نجحت في ملامسة الوجدان الشعبي والوسط الثقافي على حد سواء، مما رسخ مكانة صاحبها ككاتب يمتلك القدرة على تضفير القضايا الوطنية الكبرى داخل نسيج درامي شديد التشويق والإحكام.

وعلى الرغم من أن العمل يستند في جوهره إلى واقعة تاريخية حقيقية، إلا أن براعة إحسان تكمن في قدرته على صياغة "واقعية فنية" تتجاوز حرفية الواقع؛ حيث تبدأ الحكاية بانفجار الوعي الثوري لدى الشاب "إبراهيم حمدي"، طالب الحقوق الذي يندفع في خضم الحركة الطلابية ضد الاستعمار الإنجليزي. ومع استشهاد رفيقه "محمود"، يتحول الفعل النضالي لدى إبراهيم من الاحتجاج السلمي إلى الاغتيال السياسي، مستهدفاً رئيس الوزراء الذي جسد في نظر الحركة الوطنية ذروة التواطؤ مع المحتل. هذا المنعطف الدرامي يضعنا أمام بطل مطارد، مثقل بآلام التعذيب، يبحث عن ملاذ في قلب "الطبقة الوسطى" الساكنة.

هنا، ينتقل مركز الثقل في الرواية إلى بيت "محيي زاهر"، الصديق البعيد عن صخب السياسة، ليتحول هذا السكن الهادئ إلى مختبر لاختبار الضمير الوطني. إن موافقة أسرة "زاهر" على إيواء إبراهيم حمدي، رغم المخاطر الجسيمة، ليست مجرد حدث عابر، بل هي "فعل سياسي" يعكس التحام القاعدة الشعبية بالحركة الطليعية. ومن خلال شبكة العلاقات المعقدة داخل البيت — بدءاً من الأب والأم وصولاً إلى "نوال" و"سامية"، والتهديد المستمر المتمثل في مراقبة "عبد الحميد زاهر" — يصيغ إحسان عبد القدوس ملحمة إنسانية توضح كيف يمكن للفكرة الثورية أن تنمو وتزهر في أكثر التربات ابتعاداً عن الأيديولوجيا، لتؤكد في النهاية أن "الرجل" الذي يسكن البيت ليس مجرد فرد، بل هو رمز لكرامة وطن بأكمله.

ففي رواية في بيتنا رجل تجلى براعة الخيال السياسي في هذه الرواية من خلال تلك القدرة الفذة على إذابة الحدود المصطنعة بين الحيز الخاص المتمثل في "البيت" والحيز العام المتمثل في "النضال"، حيث لم يعد منزل "محيي زاهر" مجرد سكن وادع لأسرة تبحث عن السكينة، بل استحال في غمرة الأحداث إلى مسرح سياسي يموج بالصراعات، أو لنقل إنه غدا "دولة مصغرة" تُتخذ فيها قرارات مصيرية تتجاوز حدود الجدران الأربعة. إن هذا التحول الفني يضع المواطن العادي وجهًا لوجه أمام قدره التاريخي، ليدرك أن إيواء "ثائر" ليس مجرد فعل إنساني عابر، بل هو انخراط كامل في صناعة التاريخ، وتحويل للبيت من مكان للاقتيات والنوم إلى ثغر من ثغور المقاومة والوعي.

وفي هذا السياق، يقتحم إحسان عبد القدوس منطقة شائكة من خلال مراجعة المفاهيم المستقرة حول "البطولة" و"الإرهاب"، وهي المراجعة التي كانت تفرضها ضرورة الصراع ضد المحتل وأعوانه. فمن خلال شخصية "إبراهيم حمدي"، يستنطق الكاتب خياله السياسي ليعيد صياغة مفهوم الفعل الثوري؛ حيث لا يعود الاغتيال هنا مجرد جريمة جنائية كما أراد لها النظام الملكي والاحتلال، بل يرتفع بها الصدق الفني لتصبح فعلاً وطنياً يبتغي الحرية. إن الكاتب هنا لا يبرر العنف في حد ذاته، بل يرسم ملامح بطل مطارد يجد في قلوب الناس ملاذاً، لتتحول صورته من "خارج على القانون" إلى "أيقونة" تلتف حولها المشاعر الشعبية التواقة للانعتاق.

ويتعمق هذا الخيال الدرامي حين يضعنا أمام ذلك التمزق النفسي الصادق بين "الواجب العائلي" و"الواجب الوطني"، وهو الصراع الذي جسدته شخصية "محيي زاهر" بكل ما تحمله من تردد إنساني مشروع. إن الرواية تطرح رؤية سياسية بالغة العمق مفادها أن السياسة ليست اختياراً يمكن للمرء أن يزهد فيه، بل هي "قدر" يقتحم عليك خلوتك ويطرق بابك دون استئذان. ومن رحم هذا الصدام، تتجلى ثنائية "الراديكالية" و"الإصلاح" من خلال حوارات فكرية لا تخلو من توتر، بين إبراهيم الذي يرى في الدم سبيلاً وحيداً للتغيير، وبين طبقة وسطى تنشد السلامة، حتى تأتي لحظة "اليقظة" التي تتحول فيها تلك السلبية إلى إرادة جماعية للتمرد.

ولا يكتمل هذا البناء السياسي دون الالتفات إلى دور المرأة الذي تجاوز في الرواية كونه ظلاً للرجل، ليصبح ركناً أساسياً في متخيل المقاومة. فشخصية "نوال" لا تحب إبراهيم حمدي كفرد، بل تنحاز من خلاله إلى "الفكرة" السياسية التي يمثلها؛ فالحب هنا يكتسب صبغة نضالية، ويتحول إلى نوع من "التعميد" العاطفي للبطل الشعبي. إنها رؤية نقدية تؤكد أن الانحياز للمستقبل وللثورة يبدأ من العاطفة الصادقة التي ترفض المهادنة، لتمزج في النهاية بين نبل الشعور الإنساني وضرورات التحرر الوطني في وحدة عضوية فريدة.

تشكّل هذا الخيال عبر روايات عاطفية متتابعة، استطاعت أن تخاطب جمهورًا واسعًا دون أن تنزلق إلى الاكتفاء بإشباع فضول القراءة أو ملاحقة اللذة السردية وحدها. فهذه النصوص، وإن بدت فى ظاهرها محكومة بإيقاع التشويق وتقلب المصائر، لم تكن تكتب للحظة العابرة، بل كانت تنسج علاقة أعمق مع القارئ، علاقة تقوم على التواطؤ الوجدانى لا على الاستهلاك السريع.

على السطح، تتبدى الحكايات مشحونة بالحب والصراع والانكسار، تتحرك شخصياتها بين وعد وسقوط، وبين أمل يتوهج ثم يخبو. غير أن هذا البناء الدرامى لم يكن غاية فى ذاته، بل وسيلة لإعادة صياغة أسئلة أكبر، تُخفى داخل نسيج العاطفة ولا تُعلن فى صيغة خطاب مباشر. فالتشويق هنا لا يعمل بوصفه حيلة فنية فحسب، بل بوصفه أداة شدّ للوعى، تُبقى القارئ متورطًا فى المعنى، لا مجرد متفرج عليه.

وفى العمق، كانت هذه الروايات تفكر فى السلطة لا باعتبارها جهازًا أو مؤسسة، بل بوصفها علاقة وجدانية تقوم على الوعد والثقة والتوقع. فالسلطة، كما تُستعاد فى هذا الخيال، تبدأ حلمًا مشتركًا، يتغذى على التطلع والرجاء، ثم ما يلبث أن يتعرض للتآكل حين يعجز عن الوفاء، فيتحول الإيمان الأول إلى شك، والانتظار الطويل إلى شعور كثيف بالخديعة. وهكذا يُعاد تمثيل الحلم الوطنى لا فى لغة الشعارات، بل فى لغة الإحساس، حيث يصبح الانكسار العاطفى معادلًا دقيقًا للخذلان السياسى.

ومن خلال هذا المسار، تتحول الرواية العاطفية إلى فضاء لتجريب الخيال السياسى، لا عبر التحليل المباشر، بل عبر إعادة إنتاج التجربة الجمعية فى صور إنسانية قابلة للتداول. فالقارئ لا يقرأ حكاية بعيدة عنه، بل يقرأ ذاته، ويجد فى تقلبات المصائر السردية صدى لتقلبات الواقع، وفى خيبات الحب انعكاسًا لخيبات أكبر، صاغت وعيًا عامًا ظل يبحث عن لغة يقول بها ما لا يُقال.

فى كل حلقة من هذه السلاسل، كان الخيال السياسى يشتغل من داخل العاطفة لا من خارجها، كأن الوجدان هو المسرح الحقيقى الذى تُجرى عليه التجربة. يظهر البطل فى البدء محاطًا بالافتتان، مشدودًا إليه الجميع بوصفه وعدًا بالخلاص ومركزًا للأمل، فتتعلق به التوقعات وتُسقط عليه أحلام الجماعة. غير أن هذه الصورة، على كثافتها، لا تظل ثابتة؛ إذ ما تلبث أن تتعرض للاهتزاز، فيتسلل الشك إلى موضع اليقين، ويصعد الغضب بوصفه تعبيرًا عن خيبة الثقة، ثم يستقر الشعور الأثقل، شعور الهجر والخيانة، حين يتضح أن الوعد لم يكن فى مأمن من الانكسار.

وليس هذا المسار مجرد حيلة درامية محكمة تُدار لإبقاء القارئ مشدودًا إلى الحكاية، بل هو بناء تخييلى يتجاوز حدود الفن إلى مجال الأخلاق السياسية. فالسرد هنا لا يقيس السلطة بما تملكه من أدوات القهر أو مظاهر القوة، بل بما تلتزم به من عهد، وبقدرتها على صيانة العلاقة الوجدانية التى نشأت بينها وبين الناس. ومن ثم، يصبح البطل مقياسًا أخلاقيًا، لا لأن أفعاله خارقة، بل لأن إخلاله بالوعد يُقرأ باعتباره سقوطًا فى المعنى قبل أن يكون سقوطًا فى الفعل.

وعلى هذا النحو، تتحول الميلودراما إلى لغة سياسية غير مباشرة، تتسلل إلى الوعى دون أن تعلن عن نفسها. فهى لا تصدر أحكامًا صريحة، ولا ترفع شعارات، لكنها تضع القارئ أمام تجربة شعورية كاملة، تجعله يختبر شرعية الحاكم بقدر ما يختبر مصير البطل. وهكذا تُقاس السلطة لا بمنطق الغلبة، بل بمنطق الوفاء، ويُعاد تعريف الشرعية بوصفها عقدًا عاطفيًا قبل أن تكون ترتيبًا قانونيًا أو واقعًا مفروضًا بالقوة.

وما يميز هذا الخيال، فى جوهره، أنه لا يدخل فى مواجهة مباشرة مع السلطة، ولا يتوسل لغة الصدام أو الخطاب المعلن، بل يختار طريق الالتفاف، حيث الرمز والتورية يحلان محل التصريح. فالنقد السياسى هنا لا يُلقى فى صيغة حكم جاهز، ولا يُقدَّم فى صورة موقف صريح، وإنما يُعاد تشكيله داخل النسيج السردى ذاته، متخفّيًا فى علاقات الحب، ومتجسدًا فى صراعات الشخصيات، وموزعًا على ثنائيات أخلاقية تبدو، فى ظاهرها، إنسانية خالصة.

فالإخلاص والخيانة، الصدق والزيف، ليست مجرد أقطاب درامية تُحرّك الحكاية، بل مفاتيح رمزية لفهم علاقة أوسع بين الحاكم والمحكوم. ومن خلال هذا التوازي، يتحول الصراع الشخصى إلى استعارة سياسية، ويغدو الانكسار العاطفى تعبيرًا مكثفًا عن القهر العام، دون حاجة إلى تسمية الأشياء بأسمائها. وهكذا يتسلل المعنى السياسى إلى الوعى فى صورة تجربة شعورية، لا فى هيئة خطاب عقلانى مباشر.

بهذا المعنى، يمارس السرد سياسة خفية، لا تعتمد على رفع الشعارات أو إعلان المواقف، بل على إقحام القارئ فى شبكة من الإحساسات المتراكمة، تجعله شريكًا فى اكتشاف المعنى لا متلقيًا له. فالأسئلة الحادة عن القهر والانكسار، وعن حدود الطاعة وجدوى الانتظار، تمر عبر الحكاية دون أن تصطدم بحواجز المنع، وتصل إلى وجدان القارئ بوصفها خبرة معاشة، لا فكرة مجردة. ومن هنا تأتى قوة هذا الخيال، لا من صراحته، بل من قدرته على الإيحاء، وعلى تحويل السياسة من خطاب يُسمع إلى شعور يُختبر.

وقد كان للنشر المتسلسل دور حاسم فى تعميق هذا البعد التخييلى، إذ لم يعد المعنى ثابتًا أو منغلقًا على دلالة واحدة، بل صار قابلًا للتبدل وإعادة التشكل مع كل حلقة جديدة. فالحكاية لا تُقدَّم بوصفها كيانًا مكتملًا، بل بوصفها مسارًا مفتوحًا، يتطور على إيقاع الزمن، ويتفاعل مع ما يجرى خارجه بقدر ما يتحرك داخله. ومن هنا، يغدو الخيال السياسى فعلًا جاريًا، لا يُنجز مرة واحدة، بل يُعاد إنتاجه باستمرار.

فى هذا السياق، لا يعود الخيال السياسى بناءً منتهيًا أو رؤية مسبقة، وإنما يتحول إلى عملية حية، تتغذى على الحدث وتعيد تفسيره فى اللحظة نفسها. كل حلقة جديدة تعيد ترتيب الدلالات، وتفتح إمكانات قراءة مغايرة لما سبقها، كأن السرد يختبر نفسه على مهل، ويترك للزمن أن يشارك فى صياغة معناه. وبهذا، لا يُفرض التأويل من أعلى، بل يُترك فى حالة سيولة، تسمح له بالتجاوب مع تقلبات الواقع وتوتراته.

ولا يقف القارئ هنا موقف المتلقى السلبى، بل يدخل فى شراكة وجدانية مع النص، يستخدم الحكاية لقياس آماله وخيباته، ويقرأ تطور المصائر بوصفه انعكاسًا لما يعتمل فى داخله وفى محيطه. ومع تكرار هذا الفعل، تتحول القراءة إلى ممارسة جماعية، أقرب إلى طقس مشترك، تتقاطع فيه مخيلة الفرد مع مخيلة الجماعة، داخل فضاء الثقافة الشعبية، حيث يتشكل المعنى لا بوصفه رأيًا فرديًا، بل بوصفه خبرة جمعية، تتراكم وتتبلور مع كل عودة إلى السرد.

من ثمّ، يغدو من القصور اختزال هذه النصوص فى كونها مجرد خلفية اجتماعية لمرحلة سياسية مضطربة، أو التعامل معها بوصفها مادة شارحة لما جرى فى الواقع لا أكثر. فهى، فى حقيقتها، ساحة تخييل كاملة، يُعاد فيها التفاوض على صورة الحاكم، وتُختبر من خلالها حدود العلاقة بين من يملك القوة ومن يخضع لها. داخل هذا الفضاء السردى، لا تُسلَّم السلطة تسليمًا نهائيًا، بل تُعاد صياغتها أخلاقيًا ووجدانيًا، ويُقاس حضورها بما تثيره من طمأنينة أو قلق، من أمل أو خذلان.

وليست هذه النصوص مرآة تعكس الواقع انعكاسًا آليًا، بل أداة فعّالة لإعادة تخيله، ولتفكيك مسلماته وإعادة ترتيب عناصره فى الوعى العام. فالسرد هنا لا يكتفى بوصف ما هو كائن، وإنما يقترح ما كان يمكن أن يكون، ويكشف الفجوة بين الوعد ومآله. وبهذا المعنى، تتحول الحكاية إلى مساحة اختبار، يُراجع فيها القارئ موقعه من السلطة، ويعيد النظر فى علاقته بها، بعيدًا عن لغة القهر المباشر.

وفى هذا الإطار، تقوم هذه الأعمال بدور مجال عام بديل، تُقال فيه المشاعر المكبوتة التى يعجز الخطاب الرسمى عن استيعابها أو الاعتراف بها. فالحزن والغضب والخذلان، حين لا تجد منفذًا فى اللغة السياسية السائدة، تجد فى السرد ملاذًا آمنًا للتعبير. وهكذا يصبح الأدب الشعبى، فى أحد وجوهه الأكثر عمقًا، مساحة للبوح الجماعى، ومختبرًا وجدانيًا تتشكل فيه ملامح وعى سياسى صامت، لكنه بالغ الفعالية.

ويتجلى هذا الدور على نحو أوضح إذا ما توقفنا عند التحول من أنماط سردية يغلب عليها الطابع العقلانى، كأدب الجريمة، إلى الميلودراما بما تحمله من كثافة وجدانية. ففى النموذج الأول، تُفهم السياسة من خلال منطق السبب والنتيجة، ويُبنى السرد على البحث عن الدافع، وكشف الملابسات، وإعادة ترتيب الوقائع فى سياق عقلانى مغلق. أما فى الميلودراما، فإن مركز الثقل ينتقل من التحليل إلى الإحساس، ومن تفسير الحدث إلى معايشة أثره النفسى.

هذا التحول ليس فنيًا محضًا، بل يحمل دلالة سياسية عميقة. فهو يكشف أن الخيال السياسى فى تلك اللحظة التاريخية لم يعد معنيًا بإيجاد تفسير منطقى لما حدث، ولا بإعادة بناء الوقائع على نحو يرضى العقل وحده، بل أصبح مشغولًا بمحاولة الإحاطة بما شعر به الناس وهم يشهدون انكسار الحلم. فالجرح هنا يسبق السؤال، والخذلان يفرض منطقه قبل أى تحليل، ويغدو السرد مساحة لاحتواء الصدمة أكثر منه أداة للفهم العقلانى البارد.

ومن ثم، تصبح الميلودراما تعبيرًا عن لحظة وعى مأزوم، لم تعد فيه اللغة التحليلية كافية للتعبير عن التجربة الجمعية. فحين يعجز المنطق عن مواساة الإحساس، يتقدم السرد العاطفى ليملأ الفراغ، لا بوصفه هروبًا من السياسة، بل بوصفه طريقًا آخر إليها، طريقًا يمر عبر الألم، ويمنح الخيال السياسى قدرة على تسجيل ما لا تستطيع الوقائع المجردة أن تحتفظ به من أثر.

إن إعادة قراءة هذا الإرث السردى بوصفه خيالًا سياسيًا تفتح أفقًا مختلفًا تمامًا لفهم التاريخ الحديث؛ أفقًا لا يبدأ من الأيديولوجيا ولا ينتهى عند السلطة، بل يمر عبر العاطفة بوصفها قوة فاعلة فى تخيل الواقع وتنظيم الخبرة العامة. فالعاطفة هنا ليست مجرد مرافقة للحدث أو توهج لحظى، بل أداة لإعادة صياغة التجربة الجماعية، وفهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على نحو أكثر كثافة وصدقًا مما تسمح به لغة الخطاب الرسمى أو التحليل المنهجي البارد.

وفى هذا الأفق، تتحول قصص الحب إلى أرشيف حي للمشاعر السياسية، سجلًّا لما لم يُقال، وما لم تستطع المؤسسات التعبير عنه. الخيانة والحنين واليأس لا تُقرأ هنا كحالات فردية، بل كخبرة جماعية، تشكّل وعىً مقاومًا، حضورها خفى لكنه مستمر، حتى حين تختفى خلف أغطية العاطفة والرومانسية. وهكذا، يصبح السرد الشعبى أداة لفهم السياسة عبر النفوس، ومرآة للعلاقات الاجتماعية والمواقف الجماعية، بل وعينًا على اللحظة التاريخية نفسها، ترصد الانكسارات والانفعالات، وتعيد بناء الوعي الجمعى فى صورة أدبية متحرّكة وحية.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً