تمثل المجموعة القصصية «لحظات عشق ملكية» للكاتبة رحاب السمنودي تجربة سردية تستوقف الناقد من حيث وعيها بطبيعة الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه، ومن حيث إدراكها المسبق لحدود القصة الومضة وإمكاناتها الفنية. فهي ليست نصوصًا كُتبت بدافع الوجدان وحده، ولا محاولات لغوية عاطفية تكتفي بفيض الشعور، وإنما عمل يسعى – بقدر واضح من الوعي – إلى اختبار الشكل القصصي المكثف والرهان عليه بوصفه أفقًا تعبيريًا له منطقه وقوانينه الخاصة.
لا تنشغل هذه المجموعة ببناء الحكاية على النحو التقليدي الذي يقوم على تطور الحدث وتنامي الصراع وتعدد الشخصيات، وإنما تنصرف مباشرة إلى التقاط اللحظة الإنسانية في ذروتها، حيث يبلغ الشعور أقصى درجات كثافته، ويتحول العشق من واقعة تُروى إلى حالة وجودية تُعاش. وهنا يتجلى الوعي الفني لدى الكاتبة، إذ تدرك أن القصة القصيرة جدًا لا تحتمل الاستطراد، ولا تقبل الزوائد، وأن قيمتها الجمالية تتأسس على الإيحاء لا التصريح، وعلى ما تتركه من أثر لا على ما تقدمه من تفصيل.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى «لحظات عشق ملكية» بوصفها خطوة ريادية داخل مسار القصة الومضة العربية، لأنها لا تتعامل مع القِصر بوصفه تقليصًا ميكانيكيًا للسرد، بل بوصفه تحويلًا في الرؤية، يجعل من اللحظة بؤرة للمعنى، ومن اللغة أداة للإيماء لا للإخبار. فالعشق، في هذه النصوص، لا يُقدَّم كحكاية ذات بداية ونهاية، وإنما كخبرة داخلية مكتملة، تتجاوز الزمن وتستعصي على التحديد.
من هنا، فإن قيمة هذه المجموعة لا تكمن فقط في جرأتها على كسر القوالب السردية المألوفة، بل في سعيها الجاد إلى تأسيس علاقة جديدة بين اللغة والتجربة، حيث يصبح الاقتصاد في التعبير شرطًا للكثافة، ويغدو الصمت جزءًا من البنية الفنية للنص. وهو ما يجعل «لحظات عشق ملكية» تجربة جديرة بالتأمل النقدي، لا باعتبارها منجزًا نهائيًا، بل باعتبارها علامة دالة على وعي سردي يتشكل، ويبحث عن موقعه داخل تطور القصة العربية الحديثة.
منذ العنوان، تفصح رحاب السمنودي عن موقف جمالي وفكري لا يخلو من الدلالة، إذ تختار أن تضع القارئ مباشرة أمام إزاحة واعية للمفهوم الشائع للعشق. فالعشق، في المخيال التقليدي، غالبًا ما يُقدَّم بوصفه حالة انكسار أو تبعية أو توقًا إلى ما لا يُنال، أما هنا فهو «ملكي»؛ أي قائم على السيادة والاختيار والامتلاء، لا على الاستجداء أو النقص. وهذه التسمية ليست مجرد زخرف لغوي، بل مدخل دلالي يحدد أفق القراءة منذ اللحظة الأولى.
فالعشق في هذه النصوص لا يُروى بوصفه حكاية تُحكى للآخر، ولا يُستعرض كحالة انفعالية عابرة، وإنما يُمتلك بوصفه تجربة داخلية مكتملة، تعيش في الوعي قبل أن تتجسد في اللغة. ومن ثم، فإن «الملكية» هنا لا تُحيل إلى الامتلاك المادي أو السلطوي، بل إلى وعي الذات بذاتها، وإلى اكتمال التجربة في الداخل دون حاجة إلى اعتراف خارجي.
هذا الوعي المفهومي ينعكس بوضوح على بنية النصوص، التي تأتي مقتصدة، مشحونة، خالية من الزوائد السردية. فكما أن العشق لا يُستجدى، فإن اللغة لا تُسرف، وكما أن التجربة مكتملة في ذاتها، فإن النص يكتفي بالإيماءة الدالة ويترك فراغه مفتوحًا لتأويل القارئ. وهنا يتجلى وعي الكاتبة بطبيعة القصة الومضة، بوصفها جنسًا لا يقوم على الحكي بقدر ما يقوم على القبض على المعنى في لحظة صفائه القصوى.
وبذلك، لا يصبح العنوان عتبة شكلية فحسب، بل يتحول إلى مفتاح نقدي يضيء مجمل التجربة، ويكشف عن مشروع سردي يسعى إلى إعادة تعريف العشق، لا بوصفه ضعفًا إنسانيًا، بل بوصفه قوة داخلية وامتلاءً وجوديًا، وهو ما يمنح هذه المجموعة خصوصيتها داخل سياق القصة القصيرة جدًا في الأدب العربي المعاصر.
تكتب رحاب السمنودي ضمن تيار الومضة القصصية، غير أن انتماءها إلى هذا التيار لا يقوم على منطق الاختصار التقني أو الاستسهال الشكلي، بل ينبع من اختيار جمالي وفلسفي واعٍ. فالومضة لديها ليست تعويضًا عن غياب السرد، ولا علامة على عجز عن الامتداد، وإنما موقف نقدي من الإسهاب ذاته، وانحياز صريح إلى كثافة اللحظة بوصفها جوهر التجربة الإنسانية.
فالقص في هذه النصوص لا يُقاس بطوله، بل بقدرته على النفاذ. لحظة شعورية واحدة، إذا ما أُحكم التقاطها، قد تكون أصدق أثرًا وأعمق دلالة من حكاية طويلة تتكئ على التتابع الزمني والتفصيل الخارجي. ومن هنا تتحول الومضة عند السمنودي إلى فضاء مكثف للمعنى، لا إلى نص مبتور أو منقوص.
وتكمن جرأة التجربة، على هذا النحو، في الثقة بالصمت بوصفه جزءًا من القول، وفي الإيمان بأن ما يُحذف لا يقل دلالة عما يُكتب. فالنص لا يشرح نفسه، ولا يفرض تأويلًا أحاديًا، بل يترك فجوات محسوبة، ومساحات بيضاء، تصبح فيها القراءة فعل مشاركة لا تلقٍ سلبي. القارئ هنا مدعو لأن يكمل المعنى، لا أن يستهلكه جاهزًا.
وهذا ما يضع تجربة رحاب السمنودي في موقع متقدم داخل كتابة القصة الومضة؛ إذ تتجاوز الاستخدام السطحي للشكل، لتجعل منه أداة تفكير ورؤية للعالم، وتؤكد أن الاقتصاد اللغوي، حين يقترن بوعي جمالي، لا يُفقِر النص، بل يمنحه طاقته القصوى على الإيحاء والاختراق
تعتمد نصوص المجموعة على تكثيف لغوي عالٍ، حيث تتحول الجملة إلى مساحة مشحونة بالدلالة، ويغدو البياض المحيط بالكلمات جزءًا من النص نفسه. وهذا ما يمنح الكتابة طابعًا حداثيًا واضحًا، يقترب أحيانًا من تخوم قصيدة النثر، من دون أن يفقد انتماءه إلى السرد. بل يمكن القول إن السمنودي تمارس تجاوزًا خلاقًا للحدود بين الأجناس الأدبية، وهو ما يمنح تجربتها طابعًا رياديًا لا يخلو من المخاطرة.
وتكمن ريادة «لحظات عشق ملكية» أيضًا في الانحياز الصريح للذات الأنثوية بوصفها مركز التجربة وراويها ومالك صوتها. فالعشق هنا لا يُقدَّم من زاوية انتظار الآخر أو الارتهان له، بل من موقع الوعي والاختيار، حيث المرأة ليست موضوعًا للحب، بل فاعلًا فيه. وهذا الوعي لا يأتي في صيغة شعارات، بل يتسلل بهدوء عبر التفاصيل الوجدانية الدقيقة.
قد يلاحظ القارئ أن النصوص لا تقدم شخصيات مكتملة الملامح أو أحداثًا نامية، لكن هذا ليس نقصًا بقدر ما هو اختيار جمالي واعٍ. فالمجموعة لا تسعى إلى بناء عالم روائي، بل إلى التقاط حالات نفسية خالصة، أشبه بلقطات داخلية أو ومضات وعي، وهو ما يجعل القراءة تجربة تأملية أكثر منها تتبعًا للحكاية.
إن «لحظات عشق ملكية» ليست مجموعة تبحث عن الإرضاء أو التوافق مع الذائقة السائدة، بل نصوص تكتب نفسها من داخل رهان فني واضح: أن تكون القصة القصيرة جدًا فضاءً للتجريب، وأن يكون العشق مدخلًا لفهم الذات لا مجرد ثيمة رومانسية. ومن هنا، يمكن النظر إلى المجموعة بوصفها تأسيسًا مبكرًا لمشروع سردي ستتبلور ملامحه لاحقًا في أعمال السمنودي اللاحقة.
في المحصلة، تمثل هذه المجموعة تجربة جريئة وريادية في آن واحد؛ جريئة لأنها تراهن على التكثيف والصمت والذات، وريادية لأنها تسهم في توسيع أفق القصة الومضة العربية، وتؤكد أن السرد لا يُقاس بطوله، بل بقدرته على ترك أثرٍ عميق ومقيم في وجدان القارئ.