ads
ads

نداء إلى ضمير الجماعة الصحفية: فاقد الشئ لا يعطيه فانتبهوا أيها الزملاء حتى لا نكون شركاء في جريمة الاتجار بالبشر

محمد مختار
محمد مختار

ليس من عادتي أن أفزع من المصطلحات القانونية أو العناوين البراقة، ولكنني أتوقف طويلاً أمام ظاهرة بدأت تتسلل إلى نسيج مؤسساتنا ببرود يحسد عليه القائمون عليها. أتحدث عن تلك الموضة المتصاعدة التي نطلق عليها «شركات توريد العمالة»، والتي اجتاحت البنوك الكبرى والأندية العريقة والمؤسسات التي كانت يوماً تضرب المثل في الاستقرار الوظيفي، حيث أصبحنا نرى جيشاً من عمال الخدمات والأمن يقفون في قلب المكان لكنهم غرباء عنه تماماً، في مشهد يقدس توفير النفقات على حساب كرامة الإنسان.

إن هذه الكيانات التي تتخفى خلف أوراق رسمية وسجلات تجارية تحت مسمى شركات المقاولات، هي في جوهرها تمارس نوعاً من أنواع الاتجار بالبشر في ثوبه المعاصر. والعملية بسيطة بقدر ما هي قاسية، إذ تلجأ المؤسسة الكبرى لهذه الشركات لتنفض عن كاهلها أي التزام قانوني أو أخلاقي تجاه العامل، فلا تأمينات حقيقية ولا حقوق نقابية، بل يجد العامل نفسه رهينة لشركة توريد تقتطع الجزء الأكبر من أجره مقابل «سمسرة» مقننة لا تقدم قيمة مضافة سوى توفير غطاء للتهرب من استحقاقات قانون العمل.

وما يحدث في واقع الأمر هو عقد صفقات تحت ستار «إدارة المرافق»، بينما الحقيقة أنها عقود تأجير أجساد وسواعد، حيث يتحول الإنسان إلى مجرد بند في فاتورة شهرية يمكن حذفه بجرة قلم دون أدنى شعور بالذنب. إن هذه الممارسة تخلق نظاماً طبقياً بغيضاً داخل المؤسسة الواحدة، بين موظف يتمتع بكافة الحقوق والحماية، وزميل له في الغرفة المجاورة يفتقر لأبسط قواعد الكرامة الوظيفية، رغم أنه هو من يحرس المبنى أو يحافظ على نظافته.

إن الاستعانة بشركات التوريد بهذا الشكل الفج هي استقالة صريحة للمؤسسات من دورها الاجتماعي، وإفراغ متعمد للقوانين من مضمونها الإنساني. لقد وضعنا التشريعات لحماية الضعيف لا للالتفاف حول رقبته بمسميات قانونية مبتكرة، وإذا استمر هذا النزيف الذي يمتص عرق البسطاء بدعوى المرونة الإدارية، فسنستيقظ يوماً لنكتشف أننا بنينا جدران مؤسساتنا من رخام بارد، ولكننا هدمنا في سبيل ذلك أثمن ما نملك، وهو قيمة الإنسان واستقراره.

وبموجب هذه العقود، تتولى شركات توريد العمالة مسؤولية الأمن والخدمات والصيانة مقابل مبلغ قطعي يُنص عليه في «عقد مقاولة»، وهو في ظاهره اتفاق تجاري، لكنه في باطنه آلية محكمة لتقنين الاستغلال. لقد انتشرت هذه الظاهرة بعدما وجدت البنوك والشركات الكبرى فيها مخرجاً مريحاً للتهرب من كافة الالتزامات القانونية تجاه العاملين المهمشين لديها، فألقت بعبء عمال الخدمات والصيانة وأفراد الأمن إلى تلك الوسائط، لتتخلص من صداع التأمينات والحقوق الوظيفية، وتتركهم لقمة سائغة في يد شركات لا ترى فيهم سوى وحدات إنتاجية تُباع وتُشترى.

إن المأساة الحقيقية تكمن في ذلك الفارق المادي الذي يمثل جوهر ربح هذه الشركات، فهي تتقاضى من المؤسسة الكبرى مبالغ طائلة عن كل رأس، بينما لا تمنح العامل المطحون إلا الفتات الذي لا يكاد يسد رمقاً. إنها «تجارة بالبشر» تأخذ شكلاً عصرياً، حيث يُستغل الإنسان أسوأ استغلال مقابل أجر زهيد، وبلا أدنى مظلة حماية قانونية أو حتى وازع أخلاقي، ليتحول الفرق بين ما يدفعه البنك وما يتسلمه العامل إلى أرباح صافية في جيوب سماسرة العمالة ومحترفي الاتجار بالبشر ، الذين بنوا ثرواتهم من عرق جباه لا تملك من أمرها شيئاً.

وفي المقابل، نجد هذه الشركات تنقضُّ على حاجة الشباب الماسة للعمل لتمارس ضدهم أبشع صور الاستغلال، فتُجبرهم على الانخراط في ورديات تخالف كل الأعراف والقوانين، حيث تمتد ساعات العمل إلى اثنتي عشرة ساعة كحد أدنى، وقد تصل في حالات كثيرة إلى ست عشرة ساعة متواصلة. إنه تشغيل غير إنساني يلتهم أكثر من نصف اليوم من عمر هؤلاء الشباب، ويحولهم إلى مجرد تروس في آلة لا تهدأ، دون أن يحصل أي منهم —سواء في قطاع الأمن أو الصيانة أو الخدمات— على أبسط حقوقهم الوظيفية أو الإنسانية.

والمثير للدهشة والأسى معاً، أن هذا العناء الذي يقترب من حدود "السخرة" يقابله راتب هزيل لا يصل حتى إلى نصف الحد الأدنى للأجور المقرر قانوناً لثماني ساعات عمل فقط. فنحن هنا لسنا أمام خلل في تطبيق القانون فحسب، بل أمام جريمة مكتملة الأركان تُرتكب في حق جيل من الشباب يُجبر على بيع يومه وكدحه مقابل مبالغ زهيدة، بينما تذهب ثمار هذا الشقاء إلى خزائن شركات الوساطة التي استباحت عرقهم تحت سمع وبصر الجميع، ضاربة عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية التي تمنع استعباد الإنسان لحاجة أخيه الإنسان.

ومن وقت لآخر، تكتمل فصول هذه الملهاة المأساوية حين تعمد المؤسسات والبنوك إلى تغيير العقود من شركة توريد إلى أخرى، لا لغرض مهني أو تنظيمي، بل لهدف واحد هو وأد أي حقوق قد تنشأ لهؤلاء العاملين مع مرور الزمن. إنها عملية «تدوير» مهينة للبشر، حيث يُنقل العمال من مظلة شركة إلى أخرى، وقد يجد العامل نفسه تحت إدارة نفس الأشخاص ولكن بمسمى تجاري جديد، والمهم دائماً هو تفادي نشوء أي التزامات تأمينية أو حقوق قانونية، وضمان بقاء هذا العامل في حالة من القلق الدائم والارتباط الهش بمكان عمله.

إننا أمام صورة مستحدثة من صور «النخاسة» التي كنا نظن أنها اندثرت مع عصور الجهل، بل لعل هؤلاء النخاسين الجدد يتفوقون في خستهم على تجار الرقيق القدامى؛ فتاجر الرقيق في الماضي كان يلتزم —من باب الحفاظ على بضاعته— بتوفير الطعام والشراب لعبيده، أما شركات تدوير العمالة المعاصرة فهي تمنح العامل أجراً يقل حتى عما يضمن له شراء وجباته اليومية الثلاث. إنه نظام يمتص الروح والجسد ثم يلقي بالبقايا خلف ظهره، ليعيد الكرة مع ضحايا جدد في سوق لا تعرف الرحمة ولا تحترم كرامة الإنسان التي كفلتها له السماء قبل الأرض.

الي هنا وتبدو القضية عامة، لكن الخاص الذي يهمنا هو أننا في نقابة الصحفيين ونحن ندافع عن الحقوق فإني أهمس لزملائي أن فاقد الشئ لا يعطيه ، ولعل نقابة الصحفيين هى أول من يجب ان تتصدي لشركات الاتجار بالبشر التي تتخفي وراء عقود توريد العمالة ، وهو ما يوجب على نقابة الصحفيين ان تضرب المثل وتقدم نفسها كقدوة في عدم التعامل مع شركات الاتجار بالبشر وتحمل المسؤولية الاخلاقية قبل القانونية في تعيين عمالة امن وصيانة خاصة بها تحصل على كل الحقوق التي يضمنها قانون العمل وعدم التخفي بين طيات عقود مقاولة تحولنا لشركاء شركات تحقق أرباحها بالملايين من الاتجار بالبشر

إلى الزملاء أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، هذه صرخة تنبيه قبل أن تستفحل الظاهرة، وتحذير صادق من الانزلاق إلى مستنقع نكون فيه —نحن حراس الكلمة— شركاء في جريمة الاتجار بالبشر. إن القضية التي طرحناها حول شركات توريد العمالة وما تمارسه من استغلال لم تعد مجرد ملف عابر، بل هي اختبار حقيقي لضميرنا المهني والأخلاقي، فليس من المقبول أن ترفع نقابتنا شعارات العدالة الاجتماعية، بينما يقف على أبوابها وفي ردهاتها عامل أمن أو فني صيانة يُسلب حقه في وضح النهار تحت لافتة "عقود المقاولة".

انتبهوا أيها الزملاء، فإن صمتنا عن ممارسات هذه الشركات داخل بيتنا الكبير يحولنا إلى واجهة قانونية لمن يمتصون دماء البسطاء. إن العامل الذي يخدمنا بكرامة هو جزء من كرامة هذا الكيان، وحين تسمح النقابة بأن يكون وسيطها مع هؤلاء هو "نخّاس عصري" يقتطع أجرهم ويحرمهم من التأمين والاستقرار، فإنها تفقد بالتبعية أحقيتها في انتقاد تغول رأس المال في أماكن أخرى. إننا أمام جريمة مكتملة الأركان تتخفى في أوراق رسمية، وعلينا ألا نقبل بأن تكون نقابة الصحفيين جزءاً من هذا العبث.

إن المطلب اليوم ليس مجرد تنظيم إداري، بل هو موقف مبدئي يطالب بإنهاء التبعية لهذه الشركات، والبدء فوراً في التعيين المباشر لمن يحتاجهم بيت الصحفيين، لضمان حقوقهم الإنسانية قبل القانونية. لا تتركوا "فكرة التوفير" تعمينا عن حقيقة الظلم، فالملايين التي توفرها شركات التوريد هي في الحقيقة "سُحت" مقتطع من عرق شباب يعملون بين 12 ساعة و16 ساعة يومياً. لنتكاتف جميعاً لتطهير نقابتنا من هذه الممارسة، ونثبت للجميع أننا لا نبيع المبادئ في سوق المساومات، وأننا لن نكون أبداً شركاء في تجارة الرقيق الجديدة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً