منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تواجه ليبيا أزمة غير مسبوقة في سيطرتها على ثروتها الوطنية، فبدلاً من أن تتحول إيرادات النفط والغاز إلى بنية تحتية وخدمات عامة، جُمّدت أصول الدولة لدى مؤسسات مالية في مختلف أنحاء العالم، في ما يُعد أحد أكبر ملفات الأصول المتجمدة في التاريخ الحديث.
وفي هذا السياق، حققت المؤسسة الليبية للاستثمار نجاحًا جزئيًا مع لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة في 16 يناير 2025، حين مُنحت حق تقديم طلبات إلى اللجنة لاستعادة الأموال المنهوبة على أساس كل حالة على حدة، مع احتفاظ اللجنة بسلطة القبول أو الرفض.
ويُعدّ ذلك خطوة مهمة في مساعي رفع الحظر المفروض على الأصول الليبية المجمّدة في الخارج منذ سقوط نظام القذافي عام 2011.
وفي حال التوصل إلى اتفاق مع لجنة العقوبات، سيُسمح للمؤسسة الليبية للاستثمار باستثمار السيولة النقدية المجمّدة فقط في “حسابات لأجل” أو أدوات “منخفضة المخاطر” أو في سندات حكومية ذات عائد ثابت.
غير أن الأرباح الناتجة عن هذه الاستثمارات ستظل مجمّدة، كما تشترط لجنة العقوبات عدم إعادة استثمار هذه الأموال إلا في الدول نفسها التي توجد فيها حاليًا.
ويثير ذلك عدة تساؤلات حول معركة المؤسسة الليبية للاستثمار المستمرة لاستعادة الأموال المنهوبة: ما هي العقبات التي تواجهها؟ وما حجم الأصول الليبية المجمّدة؟ وأين توجد هذه الأصول؟
كنز مجمد
فشلت معظم جهود الدولة، وخاصة المؤسسة الليبية للاستثمار، في استعادة هذه الأموال.
وتُقلّص حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المستمرة في ليبيا فرص استرداد الأصول المجمّدة، خاصة في ظل وجود حكومتين متنافستين، إحداهما في طرابلس والأخرى في بنغازي، إلى جانب انقسام مصرف ليبيا المركزي بين الشرق والغرب.
وتعود قصة تجميد الأصول إلى اندلاع الاحتجاجات في شرق ليبيا ضد القذافي في 17 فبراير 2011، حيث أعلنت دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، الداعمة للحملة العسكرية ضد القذافي، أن موالي النظام قد يستولون على الأصول الليبية في الخارج لتمويل مواجهتهم للانتفاضة الشعبية.
وعلى إثر ذلك، عقد مجلس الأمن الدولي جلستين أصدر في أولاهما القرار 1970، الذي دعا إلى تجميد جميع الأموال والأصول المالية والموارد الاقتصادية المملوكة أو الخاضعة لسيطرة نظام القذافي.
وشمل التجميد أصول القذافي نفسه، وابنته عائشة، وأبنائه سيف الإسلام، والمعتصم بالله، وحنبعل، وخميس، إضافة إلى الأفراد أو الكيانات التي تعمل نيابة عنهم أو بتوجيه منهم.
كما شدد القرار على ضرورة امتناع جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عن إتاحة أي أموال أو أصول أو موارد اقتصادية للأشخاص أو الكيانات الخاضعة للعقوبات.
وشمل التجميد أيضًا أصول خمس مؤسسات مالية ليبية كبرى، هي: مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الليبية للاستثمار، والمصرف الليبي الخارجي، والمحفظة الليبية الأفريقية للاستثمار، والمؤسسة الوطنية للنفط.
وفي 17 مارس 2011، أكد القرار 1973 هذه الإجراءات.
تسجيل سيف الإسلام القذافي عن الاموال المنهوبة قبل وفاته بيوم
وجه سيف الإسلام القذافي رسالة صوتية أخيرة إلى أحد أقاربه، أحمد القذافي، وذلك قبل يوم واحد التي أفادت باغتياله في مدينة الزنتان.
وانتقد القذافي في تسجيله الصوتي ما وصفه بـ تبادل الأدوار بين المسؤولين الأجانب في ليبيا، مشيرًا إلى أن السلطة كانت تُسلم من أمريكية إلى أخرى، وصولًا إلى تعيينات من غانا، في إشارة إلى ستيفاني ويليامز ومن خلفها.
وأبدى سيف الإسلام حسرته على دماء الشهداء الذين سقطوا منذ عام 2011، مؤكدًا أن المشهد السياسي الحالي يُفصل فقط لإرضاء الأتراك وسفراء أمريكا وبريطانيا وفرنسا.
واختتم سيف الإسلام رسالته بكلمات مؤثرة، تساءل فيها عن جدوى كل ما حدث، قائلًا: 'بلا هالألم والـ 500 مليار اللي ضاعوا وها الدمار والأيتام والأرامل'، في إشارة واضحة إلى حجم الخسائر المالية والبشرية الهائلة التي تكبدتها ليبيا، والتي يرى أنها ذهبت سُدى.
أين ذهبت الأموال؟
تشير تقارير محلية ليبية إلى أن الرقم المعلن رسميًا، والبالغ 200 مليار دولار من الأصول المجمّدة في الخارج، هو أقل من الحجم الحقيقي.
ويستند هذا التقدير إلى عدة مؤشرات، من بينها عائدات ليبيا من موارد الطاقة، كالنفط والغاز، خلال أربعة عقود من حكم القذافي، والتي قد تكون وصلت إلى نحو 500 مليار دولار.
وفي 2 أغسطس 2024، أفاد موقع “بوابة الوسط” الليبي بأن عدة دول كبرى كانت تربطها علاقات سياسية واقتصادية وثيقة بنظام القذافي لم تكشف بعد عن أي أموال أو أصول ليبية مجمّدة لديها.
وأوضح التقرير أن المبلغ الذي أمر مجلس الأمن الدولي بتجميده يقتصر على الثروة السيادية المقدّرة بـ150 مليار دولار، إضافة إلى 144 طنًا من الذهب، في حين لا تزال بقية الأصول حول العالم مجهولة المصير.
وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول من حيث حجم الأموال الليبية المجمّدة، إذ تحتجز نحو 34 مليار دولار تعود للمؤسسة الليبية للاستثمار، موزعة على محافظ مالية متعددة.
وتأتي المملكة المتحدة في المرتبة الثانية بنحو 19.2 مليار دولار، تليها فرنسا التي جمّدت قرابة 11 مليار دولار، ثم إيطاليا وألمانيا بنحو 8 مليارات دولار لكل منهما.
كما أعلن البنك المركزي النمساوي تجميد نحو 1.2 مليار يورو من الأصول الليبية، بينما كشفت كندا في مارس 2011 عن تجميد نحو 2.4 مليار دولار، وفقًا لوكالة رويترز.
ووفقًا لتقرير صادر عن المؤسسة الليبية للاستثمار، بلغت قيمة محفظتها الاستثمارية 64.19 مليار دولار بنهاية عام 2010، إضافة إلى ودائع خارجية بقيمة 20.2 مليار دولار، و17.32 مليار دولار مودعة لدى مصرف ليبيا المركزي.
المؤسسة الليبية للاستثمار
تُعدّ المؤسسة الليبية للاستثمار الجهة الحكومية المكلفة باستعادة الأصول الليبية المجمّدة في الخارج، وخوض المعارك القانونية مع الحكومات والشركات والبنوك المعنية.
تأسست المؤسسة في 28 أغسطس 2006 بموجب القرار رقم 208 الصادر عن اللجنة الشعبية العامة آنذاك.
وتتنوع استثماراتها بين الزراعة، والنفط والغاز، والعقارات، والنقل، والاستثمارات المالية، والصناعة، والتكنولوجيا، والإعلام، والاتصالات، والطاقة، والضيافة.
ووفقًا لموقعها الرسمي، تُعد المؤسسة أكبر صندوق سيادي في أفريقيا، حيث تدير أصولًا تُقدّر بأكثر من 68.4 مليار دولار موزعة على أفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، بحسب آخر تقييم أُجري عام 2019.
معركة الـ15 مليار دولار
في 24 يناير 2025، حققت المؤسسة الليبية للاستثمار انتصارًا بارزًا باستعادة جزء من أصولها المجمّدة، عقب حكم صادر عن محكمة الاستئناف في بروكسل قضى برفع جميع الحجوزات القضائية المفروضة على أموالها المودعة لدى بنك “يوروكلير بروكسل”.
وتتعلق القضية بودائع تُقدّر بنحو 15 مليار يورو.
ولا تزال المؤسسة منخرطة في نزاع قانوني مع بلجيكا أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار منذ ديسمبر 2023.