لم يكن الصوم يوماً مجرد انقطاعٍ عن الطعام والشراب، بل هو رحلة اصطلاحٍ مع الذات وامتثالٍ لأوامر السماء؛ وفي تلك الرحلة، تبرز "فقهيات العصر" لتضع الصائم أمام تساؤلات تفرضها الضرورات الصحية والجسدية. وبينما يحرص المصريون على استقاء اليقين في عباداتهم، تظل قضية "أصحاب الأمراض المزمنة" في نهار رمضان هي الشاغل الأكبر، والميدان الذي تظهر فيه مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب النوازل الطبية دون إفراط أو تفريط.
في "أهل مصر"، نفتح اليوم ملفاً يمس حياة الآلاف ممن يقبضون على جمر المرض والصيام معاً؛ لنبحر في أروقة "دار الإفتاء المصرية"، تلك القلعة الوسطية التي طالما كانت ملاذاً للحائرين. نبحث في ثنايا الفتوى رقم 6794، التي جاءت كطوق نجاة لمرضى الحساسية الصدرية، لتحسم لغطاً طويلاً حول "بخاخة الربو" وما إذا كانت رذاذاتها تفتح ثغرة في جدار الصيام، أم أنها تقع في دائرة "العفو الشرعي" تيسيراً على العباد.
العلم في رحاب الفقه: لماذا لا تفطر البخاخة؟
استندت أمانة الفتوى في دار الإفتاء المصرية في حكمها رقم 6794 إلى تقارير طبية دقيقة أوضحت أن بخاخة الربو ما هي إلا وسيلة لإيصال الدواء إلى الرئتين عن طريق الهواء المستنشق لفتح الشعيبات الهوائية، وتسهيل عملية التنفس. وأكدت الفتوى أن المادة الدوائية في البخاخة هي رذاذ يتبخر ولا يصل منه إلى المعدة إلا قدرٌ يسير جداً لا يجاوز ما يتبقى من أثر المضمضة في الفم، وهو ما استقر الفقهاء على اعتباره من "المعفوات".
القياس الشرعي: رخص لا بد منها
أصلت الدار في فتواها لهذا الحكم من خلال القياس على ما لا يمكن الاحتراز منه؛ فكما أن استنشاق غبار الطريق، أو دخان الحريق، أو رائحة الطهي لا تُفسد الصوم لعدم القدرة على تجنبها، فإن بخاخة الربو تأخذ الحكم نفسه لكونها ضرورة طبية تلحق بجنس الهواء المستنشق. وأوضحت الفتوى أن بقاء طعم الدواء في الفم أو الحلق لا يضر الصيام، طالما أن الغرض هو العلاج والاضطرار الطبي، بل وذهبت الفتوى إلى أن المريض لا يُطالب حتى بالمضمضة بعد استخدامها.
لا حرج ولا قضاء: تيسير يتفق مع مقاصد الشريعة
وخلصت دار الإفتاء في فتواها إلى أن استخدام الصائم المريض لبخاخة الربو أثناء النهار هو أمرٌ جائز شرعاً، وصيامه معه صحيحٌ تماماً، ولا يجب عليه القضاء. ويأتي هذا الحكم انطلاقاً من القاعدة الفقهية التي تنص على أن "المشقة تجلب التيسير"، وحرصاً على حياة المريض التي هي أسمى مقاصد الدين، مؤكدة أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها.