ads
ads

التكافل في رمضان.. حين تتحول "تكلفة الوليمة" إلى "طوق نجاة" لأسرة متعثرة ( استوك رمضان )

  موائد الرحمن في رمضان
موائد الرحمن في رمضان

مع إشراقة شمس كل يوم رمضاني، تجد العائلات المصرية نفسها أمام معضلة اجتماعية واقتصادية متكررة، تتمثل في "ثقافة العزومات" التي توارثتها الأجيال كجزء من كرم الضيافة والاحتفاء بالشهر الفضيل. إلا أنه في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة، وبزوغ وعي ديني أعمق بمقاصد الشريعة، بدأت تتبلور في المجتمع فكرة "بدائل التكافل" كخيار أخلاقي راقٍ. إن المفهوم الحقيقي لرمضان ليس في تراص أصناف الطعام التي قد ينتهي ثلثها في صناديق المهملات، بل في "المواساة" التي تجعل من مائدة الصائم جسراً يصل إلى بيوت أرهقها العوز. إن تحويل ميزانية "وليمة باذخة" مخصصة للأقارب والأصدقاء (الذين هم في الغالب ميسورون) إلى "حقيبة خير" أو "دعم نقدي" لأسرة متعثرة، هو الانتقال الحقيقي من "إطعام الطعام" كعادة اجتماعية إلى "إطعام الطعام" كعبادة ربانية تبتغي وجه الله والدار الآخرة.

إن الشريعة الإسلامية حين شرعت الصيام، أرادت منه أن يكون وسيلة لاستشعار آلام الجوعى وحاجات المحرومين، ومن التناقض الصارخ أن يكون الصيام سبباً في زيادة معدلات الإسراف والتبذير تحت مسمى "العزومات". ويؤكد علماء الاجتماع الديني أن الفهم الأعمق لمقاصد الشريعة يفرض علينا إعادة ترتيب أولوياتنا؛ فالأقربون أولى بالمعروف، ولكن "المعروف" هنا لا يعني بالضرورة دعوة لغذاء دسم لمن يجد قوته، بل يعني "سد خلة" من ضاقت به سبل العيش. إن الأسرة المصرية التي تقرر بالاتفاق مع الأهل والأقارب استبدال "عزومة اليوم" بتوجيه قيمتها المالية لسداد دين غارمة، أو شراء علاج لمريض، أو تأمين احتياجات شهر لأسرة يتيم، هي أسرة قد فقهت روح الإسلام، وحولت صيامها من مجرد إمساك عن الطعام إلى "صناعة حياة" للآخرين.

وعلى الصعيد التربوي، يمثل هذا التوجه "مدرسة أخلاقية" للأبناء؛ فبدلاً من أن يشاهد الصغار مظاهر الترف وبهرجة الموائد، يشاهدون معاني الإيثار والتراحم العملي. إن "بدائل التكافل" تخلق مجتمعاً متماسكاً يقل فيه الحقد الاجتماعي، حيث يشعر الفقير أن جاره الميسور لم ينسه في غمرة احتفالاته، بل قدم "حق الجار" على "متعة التفاخر". إننا في "أهل مصر" نفتح هذا الملف لنؤكد أن "الوليمة الحقيقية" هي تلك التي لا يراها أحد، والتي تصل في صمت إلى يد عفيفة لا تسأل الناس إلحافاً. هذا النوع من التكافل هو "الصدقة الجارية" التي تبارك في الرزق وتدفع البلاء، وهو التطبيق العملي لقول النبي ﷺ: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به"، وهو وعيد شديد يستدعي منا وقفة حاسمة مع عادات الاستهلاك الرمضاني.

ختاماً، إن الدعوة لتبني "بدائل التكافل" ليست دعوة لقطع صلة الرحم أو إلغاء المودة بين الأهل، بل هي دعوة لتهذيب هذه الصلة وجعلها أكثر نفعاً وجدوى. يمكن للأهل أن يجتمعوا على "مائدة بسيطة" ويوجهوا الفائض لمستحقيه، وبذلك يجمعون بين ثواب صلة الرحم وثواب الصدقة وإطعام المساكين. إن رمضان 2026 يجب أن يكون عام "الوعي الاجتماعي"، العام الذي ننتصر فيه للجوهر على المظهر، ونبني فيه "مائدة رحمن" ممتدة في كل بيت متعثر، بفضل قرارات شجاعة تتخذها الأسر المصرية الواعية، لتظل مصر دائماً نموذجاً للتكافل والشهامة، وتظل روحانيات رمضان منبعاً للخير الذي لا ينضب.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً