ads
ads

تراحم الجيران وأطباق الخير.. كيف يُرمم رمضان النسيج الاجتماعي المصري؟

موائد رمضان
موائد رمضان

لطالما كان شهر رمضان المبارك في الوجدان المصري أكثر من مجرد فريضة دينية تقتصر على الإمساك عن الطعام والشراب، بل هو حالة وجدانية وموسم سنوي لـ "جبر الخواطر" وإعادة إرساء دعائم الروابط الإنسانية التي قد تنال منها مشاغل الحياة وضغوطها طوال العام. ففي عمق الحارة المصرية، وبمجرد اقتراب غياب شمس نهار الصيام، تنطلق "ملحمة اجتماعية" صامتة وعظيمة في آن واحد، حيث تبدأ الأطباق في التنقل بين البيوت في حركة دؤوبة لا تنقطع، فما يخرج من بيت "باميا" قد يعود إليه "أرزاً معقوداً" أو "حلوى"، في مشهد يعكس أسمى معاني الود والتفقد الصامت. هذه العادة، التي توارثتها الأجيال، ليست مجرد تبادل للمأكولات، بل هي "بروتوكول محبة" يكسر حواجز العزلة، ويؤكد للجميع أننا في مركب واحد، نتقاسم لقمة العيش ومرارة الصبر وحلاوة الإفطار، مما يجعل من مائدة الحي بأكمله مائدة واحدة وإن تعددت الجدران.

وتمتد هذه الروح التكافلية لتصل إلى ذروتها في ظاهرة "موائد الرحمن" التي تنتشر في شوارع مصر وميادينها كخلايا نحل لا تكل، وهي الظاهرة التي تجسد عبقرية التراحم الشعبي في أرقى صورها. إن هذه الموائد لا تقدم الطعام فحسب، بل هي منصات لإذابة الفوارق الطبقية والاجتماعية، حيث يجلس الغني بجوار الفقير، وعابر السبيل بجوار صاحب البيت، في مشهد يبرهن للعالم أجمع أن رمضان في مصر هو شهر "الوصل" بامتياز. هذه الممارسات الشعبية، رغم بساطتها الظاهرة، هي في حقيقتها "ترجمة عملية" لمقاصد الشريعة الإسلامية الغراء التي حثت على إفشاء السلام وإطعام الطعام وتفقد أحوال الجار قبل النفس. فالمصريون، بفطرتهم النقية، استوعبوا أن الصيام الحقيقي لا يكتمل إلا إذا شبع الجار، وأن بركة الشهر لا تحل إلا إذا عمت روح التكافل، محولين الشوارع إلى صالونات مفتوحة للمودة والإخاء.

وفي ظل الإيقاع المتسارع للحياة العصرية وتغول النزعة الفردية، يبرز رمضان كـ "المحطة السنوية" الضرورية لإعادة التوازن النفسي والمجتمعي، حيث يجبر الجميع على التوقف للحظة تأمل ومراجعة للعلاقات الإنسانية. إن هذا الشهر يمثل "مظلة إنسانية كبرى" تحتمي تحتها القلوب من جفاف المادة وقسوة المنافسة، مذكرًا إيانا بضرورة الالتفات للمحتاجين والفقراء ليس من باب الشفقة، بل من باب الواجب والحق المشترك. فعندما تجتمع العائلة حول المائدة، وعندما يخرج الشباب لتوزيع التمر والماء على المارة في الطرقات، تذوب النزعات الأنانية وتسمو روح الجماعة، ويصبح رمضان بمثابة "عقد اجتماعي" يتجدد كل عام، يرمم ما أفسده الدهر في جدار العلاقات الإنسانية، ويؤكد أن قوة المجتمع المصري تكمن في قدرته على الحفاظ على نسيجه مترابطاً مهما بلغت التحديات، لتظل "اللمة" و"الود" هما كلمة السر في بقاء هوية هذا الشعب العظيم.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً