حين يحل ليل رمضان، تنفتح أبواب السماء وتشرع أرواح المؤمنين في رحلة كونية فريدة، يقودها "القرآن" ويزينها "القيام". إن العلاقة بين رمضان والقرآن ليست علاقة زمنية عارضة، بل هي علاقة وجودية بدأت منذ اللحظة الأولى التي نزل فيها جبريل عليه السلام بالوحي في غار حراء. وفي رحاب السلف الصالح، لم يكن القيام بالقرآن مجرد طقس تعبدي يؤدى لسد خانة الفريضة أو السنة، بل كان "معراجاً" يومياً تترقى فيه النفوس لتصل إلى مراتب المكاشفة والخشوع. لقد أدرك الأوائل أن ليل رمضان هو الزمان الذي ينسحب فيه صخب الدنيا ليبقى صوت الحق، فكانوا يستقبلون المصحف لا ككتاب يُقرأ، بل كرسائل إلهية خاصة موجهة إليهم، تتطلب حضوراً قلبياً كاملاً يجعل من الركعة الواحدة وطناً يجد فيه المؤمن أمانه وسكينته.
وإذا تأملنا في سير السلف الصالح مع "ختم القرآن"، سنجد صوراً مذهلة تتجاوز قدرة العقل المادي على الاستيعاب؛ فمنهم من كان يختم في كل ثلاث ليالٍ، ومنهم من كان يختم في ليلة واحدة، ومنهم من كان يزيد في العشر الأواخر. ومع ذلك، فإن هؤلاء العظماء لم يقعوا يوماً في فخ "العدّ الرقمي" الجاف؛ بل كانت سرعة قراءتهم نابعة من شدة استغراقهم وعظيم ألفَتهم بكلمات الله. فكان الإمام الشافعي، على سبيل المثال، يختم ستين ختمة في رمضان، لكنها لم تكن ختمات عابرة، بل كانت سيلاً من النور يتدفق من قلبٍ صُقل بالتقوى. إن السلف حين كانوا "يكثرون" من الختم، كانوا يجمعون بين "الكم" الذي يروي ظمأ الروح، وبين "الكيف" الذي يزلزل كيان المؤمن، فكان أحدهم يمر بآية الوعيد فيبكي حتى يظن من حوله أن روحه ستفيض، ويمر بآية الرجاء فيستبشر وكأن الجنة قد فُتحت له أبوابها.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري الذي يشغل بال الصائم المعاصر: أيهما أفضل، كثرة الختمات أم التدبر والترتيل؟ إن الفرق بين "الكم" و"الكيف" في القراءة هو الفرق بين من يمر على البستان مسرعاً ليحسب عدد أشجاره، ومن يدخله ليتذوق ثمره ويستنشق عطره. إن الشريعة الإسلامية حثت على الترتيل، وهو قراءة النص بتمهل وتدبر، لأن الهدف الأسمى من إنزال القرآن هو "ليدبروا آياته". فالتدبر هو "الكيف" الذي يحول الحروف إلى سلوك، والآيات إلى منهاج حياة. فالذي يقرأ آية واحدة بتدبر وفهم، حتى لو رددها ليلة كاملة كما فعل النبي ﷺ حين قام بآية واحدة يرددها حتى أصبح، قد ينال من الأجر والفتح ما لا يناله من قرأ أجزاء كثيرة بقلب لاهٍ وعينٍ ترقب نهاية الصفحة. إن "الكم" مطلوب لتعويد اللسان على الذكر، ولكن "الكيف" هو الشرط الضروري لإحياء القلوب.
وفي محراب القيام، تظهر ثمار هذا التمازج بين القرآن والروح؛ فالقيام بالليل هو "ميزان الإخلاص"، حيث ينقطع المصلي عن عيون الناس ليكون في حضرة رب الناس. وكان السلف يعتبرون طول القيام بالقرآن لذة لا تضاهيها لذة، حتى قال أحدهم: "أنا في لذة لو علمها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف". إن الفرق بيننا وبينهم هو أننا جعلنا القرآن "ورداً" (عملاً ننجزه)، بينما جعلوه "روحاً" (حياة نحياها). فكان أحدهم إذا قام بالقرآن، شعر أن الآيات تخاطبه هو، فإذا مر بذكر "المؤمنين" استبشر، وإذا مر بذكر "المنافقين" أشفق على نفسه، وهذا هو قمة "الكيف" الذي يحول التلاوة من فعل لغوي إلى تجربة روحية تطهر النفس من أدرانها وتعدها لما بعد رمضان.
ختاماً، إن رمضان 2026 ينادينا لنعيد الاعتبار للقرآن في محاريب قيامنا. لا بأس بأن نطمح لختمات كثيرة، ولكن ليكن شعارنا "ختمة تدبر خير من عشرة بلا وعي". لنجعل من صلاتنا في الليل وقفة صدق نستنطق فيها الآيات، ولنسأل أنفسنا عند كل سجدة: ماذا غيرت فينا هذه التلاوة؟ إن الفرق بين السلف وبيننا ليس في عدد الساعات، بل في "حضور القلوب". فليكن نصيبنا من القرآن في هذا الشهر هو "الشفاء" الذي وعد الله به، ولنجعل من قيام الليل بالقرآن معراجنا الذي نخرج به من ضيق الدنيا إلى سعة رحمة الله، محققين بذلك التوازن المنشود بين بركة "الكم" وعمق "الكيف".