تُعد مسألة صيام المرأة الحامل في شهر رمضان المبارك تجسيداً حياً لقاعدة التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية، حيث ينظر الفقهاء إلى الحامل باعتبارها صاحبة عذر شرعي يبيح لها الفطر إذا ما غلب على الظن وقوع ضرر عليها أو على جنينها. فالحمل في أصله مظنة للمشقة والضعف، وقد أجمع العلماء على أن الحامل التي تخاف على نفسها من الهلاك أو المرض الشديد، أو تخاف على جنينها من نقص النمو أو السوائل، لها أن تفطر وعليها القضاء لاحقاً عند استعادة قدرتها الصحية. ويستند هذا الحكم إلى سماحة الدين الذي جعل حفظ النفس وحفظ النسل مقدمين على أداء العبادة في وقتها عند التعارض مع الضرورات الصحية، مما يجعل من فطر الحامل في حالات الخطر ليس مجرد رخصة اختيارية، بل قد يرتقي ليكون واجباً شرعياً لحماية أمانة الجنين التي استودعها الله في رحمها، وتجنب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة.
من الناحية الفسيولوجية والطبية، يتطلب صيام الحامل تقييماً دقيقاً وشخصياً يختلف من امرأة إلى أخرى بناءً على مرحلة الحمل والحالة الصحية العامة؛ ففي الشهور الثلاثة الأولى (مرحلة التكوين الأساسي)، قد يؤدي الصيام مع أعراض "الوحام" والقيء المستمر إلى حالة من الجفاف الشديد وهبوط حاد في ضغط الدم، مما يؤثر سلباً على تدفق الغذاء للجنين. أما في الشهور الأخيرة، فإن نمو الجنين المتسارع يتطلب إمداداً مستمراً من الجلوكوز والعناصر الغذائية، والصيام لساعات طويلة قد يؤدي إلى استهلاك مخزون الأم بشكل حاد، وظهور "الأجسام الكيتونية" في الدم التي قد تشكل خطراً على الجهاز العصبي للجنين. لذا، يشدد الأطباء على ضرورة المتابعة الأسبوعية لفحوصات الدم والبول ومراقبة حركة الجنين بدقة، مع التأكيد على أن ظهور أعراض مثل الزغللة في العين، أو الصداع النصفي الحاد، أو تناقص حركة الجنين بشكل ملحوظ، هي إشارات حمراء تستوجب الإفطار الفوري دون تردد، إعمالاً لمبدأ دفع الضرر قبل وقوعه.
وعندما تقرر الحامل الصيام بناءً على استشارة طبية تؤكد سلامتها، فإن المسؤولية تقع على عاتقها في تنظيم مائدتها الرمضانية بطريقة تضمن كفاية الجنين من العناصر الأساسية. ويجب أن ترتكز استراتيجيتها الغذائية على تقسيم الوجبات بين الإفطار والسحور إلى حصص صغيرة ومتعددة لتجنب التخمة وهبوط السكر المفاجئ، مع التركيز المكثف على شرب كميات كافية من الماء والسوائل الطبيعية لتعويض فترة الانقطاع. كما يُنصح بالابتعاد عن الأطعمة المالحة والمخللات التي تزيد من الشعور بالعطش وتؤدي لاحتباس السوائل، واستبدالها بالخضروات الورقية والبروتينات المسلوقة أو المشوية والسكريات المعقدة كالشوفان والحبوب الكاملة التي تمد الجسم بالطاقة لفترات أطول. إن التوازن بين أداء العبادة وبين الرعاية الجسدية هو الجوهر الحقيقي لصيام الحامل، بحيث يظل شهر رمضان موسماً للطاعة والسكينة دون أن يتحول إلى مصدر قلق صحي يهدد سلامة الأم أو طفلها المنتظر.