ads
ads

موكب "الرؤية".. حين كانت القاهرة تخرج من أبوابها لاستقبال "سلطان الشهور"

هلال رمضان
هلال رمضان

لم تكن ليلة رؤية هلال رمضان في تاريخ مصر مجرد إجراء إداري أو فلكي لإثبات التقويم، بل كانت بمثابة "العيد الشعبي الأول" الذي تذوب فيه الفوارق بين الحكام والمحكومين، وتتحول فيه القاهرة إلى مسرح كبير يعزف سيمفونية الفرح والترقب. فمنذ اللحظة التي استقرت فيها القلعة فوق جبل المقطم كمركز للحكم، أصبح الفضاء الممتد تحت أسوارها هو "المحراب" الذي تتوجه إليه أبصار المصريين، انتظاراً لتلك الكلمة السحرية التي يلقيها القاضي: "غداً رمضان". إن موكب الرؤية عبر العصور لم يكن مجرد استعراض للقوة أو الأبهة، بل كان طقساً وجدانياً يمزج بين جلال الدين وبهجة الفلكلور، حيث تخرج القاهرة عن بكرة أبيها في تظاهرة إيمانية فريدة، تبدأ من أمام القلعة وتطوف في أزقة المحروسة، لتعلن للعالم أن "شهر البركات" قد حل ضيفاً على كنانة الله في أرضه.

وفي العصر المملوكي، بلغت الاحتفالات بموكب الرؤية ذروة فخامتها؛ حيث كان القضاة الأربعة يركبون خيولهم في موكب مهيب يتقدمه المحتسب (المسؤول عن الأسواق والآداب العامة)، ومن خلفهم أصحاب الحرف والطوائف، يحمل كل منهم رموز حرفته المضاءة بالقناديل. كان الموكب ينطلق من "بين القصرين" قاصداً القلعة، حيث يجلس السلطان في "الحوش السلطاني" أو "الإيوان" لاستقبال القضاة. وبعد ثبوت الرؤية، تطلق المدافع من فوق القلعة طلقات مدوية لتبشير الناس، وتنار المآذن بالمسارج والفتائل، ويبدأ المنادون في شوارع القاهرة بالنداء الشهير: "يا عباد الله.. الصيام الصيام"، فتنقلب المدينة في لحظة من السكون إلى ضجيج الفرح، وتفتح البيوت أبوابها لتبادل التهاني، في مشهد يجسد عمق الارتباط بين السلطة السياسية والوجدان الديني للمصريين.

أما في العصر العثماني، فقد اتخذ الموكب طابعاً أكثر شعبية وقرباً من الناس، حيث كان "موكب الرؤية" يخرج من بيت القاضي أو المحكمة الشرعية خلف القلعة، يتقدمه "جوقة" من الطبالين والزمارين، وخلفهم المشايخ بجببهم وقفاطينهم الملونة. وكانت الطوائف الحرفية (من نجارين وحدادين وخياطين) تتبارى في تزيين "عربات" خشبية تحمل نماذج من أعمالهم، يطوفون بها الشوارع وسط زغاريد النساء من المشربيات ورش ماء الورد من الشرفات. وكان لهذا الموكب "بروتوكول" دقيق؛ حيث يمر الموكب تحت أسوار القلعة ليرفع الدعاء للسلطان والوالي، ثم يتجه إلى منطقة الغورية والأزهر، حيث يوزع الأغنياء الصدقات و"النفحات" على الفقراء والمساكين احتفالاً بقدوم الشهر، في صورة باهرة للتكافل الاجتماعي الذي ميز الشخصية المصرية عبر التاريخ.

ومع دخول العصر الحديث، ظل موكب الرؤية من أمام القلعة يقاوم رياح التغيير، ففي عهد الأسرة العلوية، كان الموكب يتحرك من "المحكمة الشرعية" بالقلعة في موكب عسكري وديني مهيب يضم كبار رجال الدولة والعلماء. وكانت القلعة تكتسي بالأضواء، وتصطف قوات الجيش على جانبي الطريق بملابسها الرسمية، بينما تتجمع الحشود الشعبية في "ميدان الرميلة" (ميدان القلعة حالياً) لمشاهدة الموكب وتلقي العطايا السلطانية. وحتى بعد ظهور الراديو والتلفزيون، ظل المصريون يرتبطون وجدانياً بمشهد القضاة وهم يتجهون نحو "استطلاع الهلال"، وظلت القلعة هي الشاهد التاريخي الذي يمنح الخبر شرعيته الروحية، وكأن الهلال لا يكتمل نوره إلا إذا أطل من خلف مآذن "محمد علي" الشامخة.

ختاماً، إن حكاية موكب الرؤية من أمام القلعة هي حكاية "هوية" شعب يأبى أن تمر عباداته دون أن يصبغها بصبغته الخاصة من البهجة والاحتفال. إنها تذكرنا بأن رمضان في مصر لم يكن يوماً مجرد فريضة دينية جافة، بل كان دائماً فرصة لإحياء التراث وتجديد أواصر المحبة بين الناس. واليوم، ونحن نستحضر هذه الذاكرة التاريخية، ندرك أن "روح القلعة" ومواكبها ما زالت تسكن في قلوبنا، وأن كل طلقة مدفع وكل فانوس يضاء في أزقة القاهرة هو صدى لقرون طويلة من العشق المصري لهذا الشهر الكريم، الذي يبدأ دائماً من "فوق الجبل" وينتهي في "عمق القلب".

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً