تمثل المآذن في سماء القاهرة أكثر من مجرد علامات معمارية تشير إلى مواقيت الصلاة، فهي شهادة حية على تاريخ أمة جعلت من بيوت الله مراكز للحضارة، والسياسة، والعلم، والاجتماع. فمنذ أن وطأت أقدام الصحابي الجليل عمرو بن العاص أرض مصر، بدأت قصة عشق فريدة بين المصريين وعمارة المساجد، حيث تحولت هذه البقاع الطاهرة إلى ملاذات آمنة في نهار رمضان ومحاريب للتبتل في ليله. إن المتأمل في تاريخ المساجد المصرية يدرك أنها لم تكن يوماً جدراناً صماء، بل كانت كيانات تنبض بالحياة، تروي تفاصيل العصور المختلفة، من بساطة الفتح الإسلامي الأول وصولاً إلى الفخامة المعمارية التي تليق بمصر الحديثة في عاصمتها الإدارية، لتشكل في مجموعها سجلاً ذهبياً يمزج بين عبق الماضي وتطلعات المستقبل.
وتبدأ الحكاية من "جامع عمرو بن العاص" بمنطقة الفسطاط، ذلك المسجد الذي يُعرف بـ "تاج الجوامع" وأول مسجد بني في أفريقيا. لم يكن المسجد عند إنشائه مجرد مكان للصلاة، بل كان أول جامعة إسلامية في مصر قبل الأزهر بقرون، حيث كانت تُعقد فيه حلقات العلم التي يحضرها الآلاف. ورغم ما مر به المسجد من تجديدات وتوسعات عبر العصور، إلا أن لرمضان فيه مذاقاً خاصاً يستدعي إلى الأذهان صورة الصحابة وهم يرتلون القرآن في جنباته. إن الجلوس في صحن هذا المسجد العتيق في وقت الغروب يمنح الصائم شعوراً بالاتصال المباشر مع جيل الفتح الأول، وكأن نسمات التاريخ تهب لتمسح تعب الصيام، وتذكرنا بأن هذا المكان كان وما زال منارة للهداية والوحدة الوطنية التي تجلت في أبهى صورها حول أسواره.
وبالانتقال من عصر الفتح إلى عصور الدولة الإسلامية المتعاقبة، نجد أن العمارة المملوكية قد تركت بصمة لا تمحى في تاريخ القاهرة، التي لُقبت بمدينة الألف مئذنة. ففي شارع المعز لدين الله الفاطمي، يقف مسجد ومدرسة السلطان حسن كأعظم بناء إسلامي في العالم بشهادة المستشرقين، وهو المسجد الذي يُقال عنه إنه "هرم العمارة الإسلامية". إن ضخامة الإيوانات وارتفاع المآذن في هذا المسجد تعكس عظمة الشخصية المصرية التي لا تقبل إلا بالكمال. وفي رمضان، تتحول هذه المنطقة إلى خلية نحل من الروحانيات، حيث تتداخل أصوات التراويح مع عبق البخور وتاريخ الحجر، ليجد القارئ والسامع نفسه في حضرة إبداع بشري استلهم روحه من جلال الخالق، مما يجعل الصلاة في هذه المساجد الأثرية رحلة عبر الزمن تستعيد أمجاد الأمة الإسلامية.
ولا يمكن للحديث عن المساجد في مصر أن يمر دون الوقوف طويلاً في رحاب "مساجد آل البيت"، تلك العتبات المقدسة التي يحتل أصحابها مكانة رفيعة في قلوب المصريين. فمسجد الإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، ليست مجرد دور للعبادة، بل هي "قِبلة للمحبين" ومحطات للارتواء الروحي، خاصة في شهر رمضان. يرتبط المصريون وجدانياً بهذه المساجد، حيث يجدون في رحاب "عقيلة بني هاشم" أو "نفيسة العلم" سكينة لا يجدونها في مكان آخر. إن الطقوس الرمضانية في هذه المساجد، من توزيع "النفحات" إلى حلقات الذكر التي تلي صلاة التراويح، تعكس خصوصية التدين المصري الذي يمزج بين الفقه والمحبة، وبين الالتزام بالشرع والتعلق بآل بيت النبي ﷺ، مما يجعل من هذه المساجد القلب النابض لروحانيات القاهرة في الشهر الفضيل.
ومع دوران عجلة الزمن، لم تتوقف مصر عن بناء بيوت الله التي تليق بمكانتها، فجاء "مسجد مصر" بمركز مصر الثقافي الإسلامي في العاصمة الإدارية الجديدة ليكون درة التاج في العمارة الحديثة. هذا المسجد ليس مجرد مساحة شاسعة للصلاة تتسع لعشرات الآلاف، بل هو مجمع حضاري يضم داراً للقرآن الكريم نُقش فيها كتاب الله كاملاً على الجدران بأسلوب يبهر الأبصار. إن الجمع بين التقنيات الحديثة في الإضاءة والصوت وبين الزخارف الإسلامية التقليدية في هذا المسجد يعطي رسالة واضحة بأن مصر تواصل رسالتها في حماية الدين ونشر الفكر الوسطي. وفي رمضان، يقف هذا الصرح كشاهد على قدرة الإنسان المصري على الابتكار، موفراً بيئة روحانية عصرية تساعد المصلي على الخشوع والتدبر في ملكوت الله وسط أجواء من الفخامة التي لا تفتقر إلى التواضع الإيماني.
إن الرحلة بين مآذن مصر من عمرو بن العاص إلى العاصمة الإدارية هي في حقيقتها رحلة في الذات المصرية التي لم تتخلَّ يوماً عن هويتها. فكل حجر في هذه المساجد يروي قصة صمود، وكل زخرفة تحكي عن فن رصين، وكل صلاة تُقام فيها هي حلقة في سلسلة ممتدة من الإيمان الذي لا ينقطع. وفي رمضان، تتوحد هذه المساجد جميعاً في نداء واحد "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، لتعلن أن مصر كانت وستظل كنانة الله في أرضه، وأن مساجدها ستظل دائماً المنبع الذي ينهل منه الصائمون دروس الصبر، والمحبة، والسكينة، في مشهد إيماني مهيب يتكرر كل عام ليربط الأرض بالسماء.