اعلان

محمد سويد يكتب.. بركة ياجامع!

محمد سويد
محمد سويد

فاصل من الدراما الضاحكة، أشعلت شرارتها وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت بديلاً عن المظاهرات والتجمعات، وأصبح التريند نفيراً عاماً، يؤرق مضاجع الجميع، فلا "الشهر العقاري خيرٌ من ألف شهر"!، ولا "اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، إنها النكتة السياسية التي أشاعت بأن "خطبة الجمعة عن فضل الشهر العقاري على سائر الشهور"، ونعتت"رسوم الشهر العقاري بـ"المسيئة".. إلخ.

مزيج من التناغم بين الموروث والمعاصر، تجمعت في حالة الاعتراض الشعبي الصامت - بالنكات - على تعديلات قانون الشهر العقاري، وما رتبه من أعباء تمثلت في ضريبة التصرفات، ورسوم قيد وإشهار الأملاك، التي تفرق دمها بين الشهر العقاري، ورسم نقابة المحامين، ورسم ضريبة تصرفات، ورسم المساحة، ورسم دعوى صحة ونفاذ ورسم الأمانة القضائية، واقتران هذا الجهد المضني، بحظر التعامل مع المرافق والخدمات العامة، إلا بـ"العقد الأخضر"، الأمر الذي دفع الحكومة والبرلمان "أغلبية ومعارضة" للتعاطي مع الأزمة، ومتابعة عواقبها شرحاً وتبريراً وتشريعاً، علّها تتدارك أخطاء التطبيق .

يصف الفيلسوف الفرنسي، هينرى برجسون، النكتة، في كتابه "سيكولوجية الضحك"، بأنها "محاولة قهر القهر وهتاف الصامتين، إنها نزهة في المقهور والمكبوت والمسكوت عنه".

وبالنكتة، يبرع المصريون في ممارسة طقوس الرفض والمواساة، ينتزعوا حق التذمر والاعتراض، ويصوبون سهام الضحك المزعج، يجتمعون خارج حدود المكان والزمان، حتى لايقعون تحت طائلة القانون .

حالة الغضب الشعبي التي حالت دون تقبل فلسفة التشريع، كونه يصون الملكية، نابعة من إرهاق الجيوب بمزيد من الضرائب، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، تؤمن العقول بأنها تضمن حق الأجيال القادمة، وقلوبهم تقول "اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، ولا يكترث من يردد هذا المثل بسوء القصد بيت الله و جامع الجباية.

وعلى خلاف المألوف يرجع هذا المثل القديم لأيام الحكم العثمانى؛ حيث كان (جامع الجباية) يمر لتحصيل الضرائب، ومع الأحوال المعيشية السيئة، لم يجد المصريون ما يعطونه إلى(جامع أموال الضرائب ) فأطلقوا مقولة: "اللى يحتاجه البيت يحرم ع الجامع"، وكلما تأخر عن موعد التحصيل أطلقوا استبشروا قائلين: "بركة يا جامع"، وهذا هو حال سواد ملاك الوحدات السكنية والعقارات، الذين يعرفون بأن ضريبة التصرفات العقارية ليست بجديدة، وأن إشهار العقود يثبت ملكيتهم، ولكنهم اطمأنوا للاستعاضة عنها بدعوى صحة التوقيع، لأن الظروف ليست مواتيه لتحصيلها جبراً.

التعديل التشريعي الذي أدخل على قانون الضريبة على الدخل، الصادر برقم 158 لسنة 2018 في يوليو من ذلك العام، أوجب وفقاً للمادة 42، فرض ضريبة بواقع 2.5% وبغير أي تخفيض على إجمالي قيمة التصرف في العقارات المبنية، أو الأراضي للبناء عليها عدا القرى.

وجاء القانون رقم 186 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 114 لسنة 1946 بتنظيم الشهر العقاري، والذي بدأ تطبيقه اعتباراً من يوم 6 مارس الجاري، بإضافة المادة 35 مكرر، وما فرضته من حظر على شركات الكهرباء، والمياه، والغاز، وغيرها من الشركات، والجهات، والوزارات، والمصالح الحكومية، عدم نقل المرافق والخدمات، أو اتخاذ أي إجراء من صاحب الشأن، يتعلق بالعقار إلا بعد تقديم السند الذي يحمل رقم الشهر والقيد.

وبينما تم تداول تقدير رسوم قيد وإشهار الوحدة السكنية، التي تبلغ قيمتها 400 ألف جنيه، بنحو 38 ألفا، ما يعادل 10٪ من قيمتها، إلا أن توضيح وزير العدل بأن القيمة التقديرية لهذه الحالة لا تزيد عن 11 ألف جنيه، لم يشفِ صدور كثيرين، خاصة وأن المشكلة الحقيقية تكمن في أن نحو 90٪ من الملكية العقارية غير مسجلة، وأن تسلسل الملكية يفرض تكرار سداد ضريبة التصرفات عن كل مالك، وصولاً إلى الحائز الأخير، خاصة وأن الشعب المصرى اعتاد على تداول العقود العرفية، والاكتفاء بصحة التوقيع، ما يعنى مضاعفة هذا التقدير في حالات كثيرة، ناهيك عن حرمان العقارات المخالفة، والمتنازع عليها وسكان المناطق العشوائية، من الحق في المرافق والخدمات العامة.

على أية حال.. سُمِع الصوت، وأدت خفة دم المصريين دورها، في تحريك المياة الراكدة على الصعيدين التشريعي والتنفيذي، وصولاً إلى اقتراح حلول عملية تراعي الظرف الاجتماعي والاقتصادي العام و تعيد الأمور إلى نصابها .

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً