لو أن المشاعر تُرى لكشفت عما بداخلي من حزن، ليس من أجل أن يواسيني أحد، وإنما ليعلم كل غرٍّ غبيٍّ تأخذه الدنيا حتى ينسى حق أمه عليه، أنه حين يفقدها ستخلو الدنيا حوله، حتى يصبح كورقة شجر جافة تتلاعب بها رياح الخريف العاصفة.
لو أن المشاعر تُرى لرأى الناس كيف يتحول القلب بعد رحيل الأم إلى بيت مهجور، جدرانه قائمة لكن دفئه غائب، نوافذه مفتوحة لكن الضوء لا يدخله، ولرأوا كيف تصبح الضحكة ثقيلة، وكيف يفقد الكلام معناه، وكيف تمر الساعات بطيئة كأنها تمشي على صراط حاد يدمي القدمين.
لم تكن أمي مجرد وجه أراه كل صباح فقط، بل كانت إحساسًا دائمًا بالأمان، كانت الدرع الذي أقف به في وجه الدنيا ولا اخشى شيئًا، كانت اطمئنانًا إلى أن الله يرعاني حتى لا يحزنها عليّ
لو أن المشاعر تُرى لعرفتم أن القسوة التي تسكن بعض القلوب ليست قوة، بل هي الجهل بعينه، وأن الانشغال عن الأم ليس نجاحًا بل خسارة مؤجلة، وأن دعاءها هو الحبل الخفي الذي يربطنا بالحياة، وأن صمتها حين تتألم أشد قسوة من ألف عتاب.
لو أن المشاعر تُرى لبكى أولئك الذين ظنوا أن الوقت يتسع دائمًا، وأن الغد مضمون، وأن الاعتذار يمكن تأجيله، والزيارة يمكن تعويضها.
حقًا سيبكون حين يدركون أن بعض الفرص لا تعود، وأن بعض الأبواب إذا أغلقت لا تفتح، وأن كلمة واحدة لم تخرج في وقتها قد تظل عالقة في الحلق عمرًا كاملًا.
لو أن المشاعر تُرى لعلم الجميع أن الأم لا تُعوَّض، وأن فقدها ليس حدثًا عابرًا بل زلزالًا يغيّر تضاريس الروح.
بعد رحيل أمي لن تعود الأشياء كما كانت، حتى الأماكن تفقد ملامحها، وحتى النجاح يبدو ناقصًا، وحتى الفرح إن أتى فسيكون خجولًا كمن يستأذن للدخول على من لا يعرفه.
عند فقد الأم سيدرك الإنسان ـ إن كان له قلب ـ أن الحضن الذي كان متاحًا بلا مقابل كان أعظم نعمة في حياته، وأن التفريط فيه كان أفدح خطيئة ارتكبها دون أن يشعر.
لو أني أملك بوقًا يتحدث به داخلي من داخلي، لأسمعتكم صراخًا: تمسّكوا بأمهاتكم ما دام في صدورهن نفس، قبّلوا أرجلهن قبل أن يصبحن ذكرى، اسمعوا أصواتهن قبل أن يتحول الصمت إلى عادة موجعة، ولا تؤجلوا البر فإن ما يأخذه الزمن لا يرده أبدًا.
حين ترحل أمك ستدرك أن الدنيا بكل اتساعها أضيق من قلب فقد أمه، وأن الندم حينها لن يشفي جرحًا سيقى نازفًا إلى نهاية الدنيا.