كثيراً ما يستيقظ الضمير الديني لدى الإنسان بعد سنوات من الغفلة أو التهاون، ليجد نفسه أمام 'تركة ثقيلة' من العبادات الفائتة، لعل أبرزها أيامٌ أفطرها في شبابه من شهر رمضان، إما جهلاً بعظم الجُرم أو تهاوناً في حق الفريضة. ومع صحوة القلب، يبدأ التساؤل المقلق: كيف السبيل لإبراء الذمة أمام الله وأنا لا أحصي عدد تلك الأيام؟ وفي هذا المقام، تأتي دار الإفتاء المصرية لتقدم 'خارطة طريق' شرعية، تجمع بين حزم التكليف وسعة الرحمة.
عبر بوابتها الرسمية، حسمت دار الإفتاء الجدل حول كيفية قضاء 'أيام الشباب' الضائعة، واضعةً منهجاً فقهياً يقوم على 'اليقين والاحتياط'، لضمان خروج المسلم من ذمة التكليف بقلبٍ مطمئن.
قاعدة "التحري" وحساب الغلبة
أوضحت دار الإفتاء في الفتوى رقم 7588 أن ذمة المسلم إذا انشغلت بقضاء أيامٍ من رمضان، فلا بد من إبرائها بيقين. وفي حال نسيان العدد المحدد للأيام التي تم إفطارها، فعلى المسلم أن يلجأ لأسلوب 'التحري'؛ أي أن يجتهد في تقدير الأيام التي أفطرها بناءً على غلبة الظن.
وتشير الفتوى إلى قاعدة ذهبية في هذا الصدد: 'يجب على المسلم أن يقضي من الأيام ما يتيقن معه أنه قد أبرأ ذمته'. فإذا تذبذب الظن بين عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً، فالأفضل والأحوط أن يصوم الخمسة عشر يوماً، ليخرج من عهدة التكليف بيقين لا يداخله شك.
التوبة والقضاء.. لا يغني أحدهما عن الآخر
أكدت الدار في تأصيلها لهذه القضية أن 'التوبة' عن تعمد الفطر هي البداية، لكنها لا تُسقط 'حق الله' في الصيام؛ فالصوم دَيْنٌ في ذمة العبد، ودَيْنُ الله أحق أن يُقضى. ومن هنا، لا يُقبل من الصائم أن يكتفي بالاستغفار أو الصدقة طالما كان قادراً على الصيام، بل يجب عليه الشروع فوراً في القضاء حسب طاقته وقدرته، ولو على فترات متباعدة.
هل تجب الفدية مع القضاء؟
وفي لفتة فقهية هامة، أوضحت الفتوى أن تأخير القضاء لسنوات طويلة حتى دخلت رمضانات أخرى يستوجب عند جمهور الفقهاء 'الفدية' مع القضاء، وهي إطعام مسكين عن كل يوم تأخر قضاؤه لغير عذر. ومع ذلك، تشير الممارسة الإفتائية تيسيراً على الناس في حال كثرة الأيام وتراكمها وصعوبة إحصائها، إلى الاكتفاء بالقضاء مع التوبة النصوح، تفعيلاً لمنهج التيسير وفتح باب الرجوع إلى الله دون إثقال كاهل التائب بما لا يطيق.
رسالة إلى كل تائب
إن رسالة دار الإفتاء من خلال هذه الفتوى هي رسالة أمل وانضباط في آنٍ واحد؛ فهي تخبرك أن باب العودة مفتوح دائماً، وأن الله يقبل التوبة عن عباده، لكن الاستقامة تقتضي رد الحقوق إلى أصحابها، وأولى الحقوق بالرد هي تلك التي بينك وبين الخالق.
إن 'ديون الصيام' ليست عبئاً مستحيلاً، بل هي رحلة استدراك لِما فات، تبدأ بتقدير تقريبي، وتنتهي بذمة بيضاء وروحٍ متصلة بخالقها، بعيداً عن هواجس الماضي وتقصير الشباب.