لم تكن مجرد حالة عابرة داخل نادي العمليات بالعيادة، بل بدت منذ اللحظة الأولى قصة طبية مفتوحة على كل الاحتمالات، وكيف لا وقد دخل عليّ المريض القادم من دولة عربية شقيقة، بخطوات بطيئة تشير إلى ما يحمله جسده من علامات إنهاك لا تخطئها عين طبيب.
وعلمت منه أن فقد أكثر من ثلث وزنه في أقل من ثلاثة أشهر، وهو ما يترافق مع تورم واضح في القدمين والطرفين السفليين (Bilateral Lower Limb Edema)، يشي بأن المشكلة أعمق من مجرد عرض عابر.
ومع مرور الوقت لم يعد هذا المريض مجرد حالة إكلينيكية بل أصبح صديقًا يتردد على العيادة بحثًا عن إجابة ضاعت بين عواصم عدة، بعدما تنقّل بين دول مختلفة، وخضع لسلسلة طويلة من الفحوصات الدقيقة والمتقدمة دون أن يصل أحد إلى تشخيص حاسم لحالته.
المفارقة أن نتائج الفحوص الأساسية جاءت مطمئنة على غير المتوقع فوظائف القلب سليمة، والكبد لا يعاني أي خلل، والكلى تعمل بكفاءة كاملة وهو ما زاد المشهد غموضًا، خاصة مع استمرار فقدانه للوزن، وتفاقم الوذمة.
اللحظة الفاصلة لم تكن قرار إجراء فحص جديد، أو طلب منظار متقدم، بل كانت في العودة خطوة إلى الوراء، بل إلى أبسط أدوات الطب وأكثرها تعرضًا للإهمال، وهي التاريخ المرضي الدقيق (Detailed Medical History).
وباستجواب موجّه مني لهذا المريض الغامض بدأت الخيوط تتجمع، والصورة تميل نحو الوضوح، لا سيما حين ذكر أنه خضع لفترات طويلة من العلاج بجرعات كبيرة وطولة من المضادات الحيوية (Broad-Spectrum Antibiotics)، حتى يتخلص من التهاب سبق أن تعرض له.
هنا وهنا فقط تغيّر مسار التفكير، ووصلت الصورة إلى مرحلة كافية من الوضوح، لتشير أصابع الاتهام إلى التهاب القولون الغشائي الكاذب (Pseudomembranous Colitis)، الذي يعد من المضاعفات المحتملة لاستخدام المضادات الحيوية.
ومع ربط هذه المعلومة بالأعراض الإكلينيكية، وبنتائج التحاليل بدأ تشخيص الاعتلال المعوي الفاقد للبروتين (Protein Losing Enteropathy – PLE) يفرض نفسه، خاصة أن التحاليل أظهرت انخفاضًا شديدًا في زلال الدم (Serum Albumin)، ونقصًا واضحًا في البروتين الكلي
(Total Serum Protein)، مع سلامة وظائف الكلى ( Renal Function Tests)، وهو ما يُستبعد معه فقدان البروتين عن طريق الجهاز البولي ويوجّه الأنظار إلى الأمعاء كمصدر لهذا الفقد.
في تلك المرحلة لم يكن اللجوء إلى المنظار القولوني (Colonoscopy) خيارًا ضروريًا، فالتشخيص الإكلينيكي (Clinical Diagnosis) أصبح مكتمل الأركان، من حيث تاريخ مرضي داعم وأعراض متوافقة، ونتائج معملية معبّرة، مع إدراك بأن التدخل التنظيري قد لا يضيف جديدًا يغيّر الخطة العلاجية، بل إنه قد يحمل مخاطر غير مبررة في مثل هذه الحالة.
لذلك وقع الاختيار على التجربة الدوائية العلاجية (Therapeutic Trial) كأداة تشخيصية وعلاجية في آن معًا، وهكذا بدأت الخطة بعلاج التهاب القولون الغشائي، عن طريق استخدام الميترونيدازول، إلى جانب الكورتيكوستيرويدات، بجرعات مدروسة للسيطرة على الالتهاب المعوي، مع الاستعداد لاستخدام مثبطات المناعة عند الحاجة، ودعم الغشاء المخاطي للقولون بعقار الميسالامين.
بالتوازي لم أغفل الجانب الغذائي، فكان الدعم التغذوي جزءًا أساسيًا من خطة العلاج، من خلال نظام غذائي عالي البروتين، وتعويض الفيتامينات والعناصر الدقيقة التي يفقدها من اجل تحسين الحالة العامة.
ولم تمر أسابيع حتى بدأت المؤشرات تتغيّر، فالتحاليل المعملية أظهرت ارتفاعًا تدريجيًا في نسب الزلال والبروتين الكلي.
واختفت الوذمة الطرفية (Serum Albumin) و(Total Protein)، كما عاد الوزن إلى الزيادة، حتى صرنا في المعدلات الطبيعية.
وبالطبع لم يكن التحسّن رقمًا على ورق، بل انعكس على ملامح المريض وحركته ونظرته للحياة.
ولم أنس هذه الحالة أبدًا، لأنها تعطي درسًا يتكرر في الممارسة الطبية دون أن يفقد أهميته، وهو أن التاريخ المرضي قد يقود أحيانًا إلى التشخيص دون الحاجة إلى إجراءات تدخلية معقّدة، وأن الاعتلال المعوي الفاقد للبروتين (Protein-Losing Enteropathy) يجب أن يوضع في الحسبان عند وجود نقص غير مبرر في الزلال (Unexplained Hypoalbuminemia)، مع سلامة وظائف الكلى.
وفي النهاية يبقى التوفيق من الله أولًا وآخرًا، وهو الذي يقف وراء حل لغز أي حالة مستعصية، لذا أقولها بكل إيمان ويقين.. وما التوفيق إلا بالله.