ads

تراجع دور الإعلام والصحافة المصرية لحساب الصحف العربية والدولية

رامي لبيب
رامي لبيب

في السنوات الأخيرة، باتت الصحف ووسائل الإعلام العربية والدولية المصدر الرئيسي لنقل الأخبار والتصريحات الهامة المتعلقة بالشأن المصري، بما في ذلك مواقف الدولة الرسمية وتصريحات قياداتها، وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي. هذه الظاهرة تثير تساؤلات جوهرية حول موقع الإعلام المصري في المشهد الإخباري، وقدرته على التأثير وإيصال الصورة الكاملة للجمهور المحلي والدولي، ومدى قدرته على استعادة مكانته كمنصة أساسية لنقل المعلومات وتحليل الأحداث.

رغم الجهود المبذولة في تطوير الإعلام المصري، سواء من حيث الإمكانيات أو التوسع في القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإلكترونية، إلا أن هذه الجهود لم تنعكس بشكل إيجابي على مستوى التأثير والمصداقية. ورغم الحديث المتكرر عن "ريادة الإعلام المصري" وعودة "القوة الناعمة"، فإن الواقع يشير إلى تراجع كبير مقارنةً بوسائل الإعلام العربية والدولية، أحد أبرز الأدلة على هذا التراجع يتمثل في لجوء الجهات الرسمية إلى وكالات أنباء أجنبية مثل "رويترز" و"العربية" لنقل تصريحات الرئيس المصري، عوضًا عن الصحف المحلية. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مدى ثقة القيادة السياسية في وسائل الإعلام المصرية، وإذا كانت القيادة نفسها لا تعتمد عليها كمصدر أول، فكيف يُتوقع من المواطنين أن يفعلوا ذلك؟

يعاني الإعلام المصري من عدة مشكلات متراكمة تؤثر على قدرته في التنافس مع الصحف والقنوات الأجنبية، ومن أبرزها غياب التنوع والتعددية تتبنى معظم وسائل الإعلام المصرية خطابًا موحدًا، يفتقر إلى التعددية والتنوع في الآراء، مما يفقدها عنصر الجاذبية للجمهور الذي يبحث عن وجهات نظر مختلفة، ضعف المصداقية: يعاني الإعلام المصري من غياب الشفافية، حيث تقدم العديد من التقارير بنمط يخدم توجهات معينة، مما يدفع الجمهور للبحث عن مصادر أخرى أكثر حيادية مصداقية، التأخر في التغطية: غالبًا ما يتم نشر الأخبار الهامة عبر وسائل الإعلام الأجنبية قبل أن يتم تداولها محليًا، مما يفقد الصحف والقنوات المصرية عنصر السبق الصحفي ويقلل من اعتماد الجمهور عليها، ضعف التحقيقات الاستقصائية تكتفي معظم وسائل الإعلام المصرية بنقل البيانات الرسمية والتصريحات الحكومية دون التعمق في تحقيقات استقصائية تطرح القضايا بشكل شامل يعكس واقع المواطنين ومشكلاتهم.

دائمًا ما يعبر الرئيس عبد الفتاح السيسي عن عدم الرضا من أداء الإعلام المصري، مشيرًا إلى أنه لا يقوم بدوره في إبراز إنجازات الدولة بالصورة المطلوبة، وخلال العديد من المناسبات، انتقد الرئيس وسائل الإعلام بسبب عدم تقديمها رؤية واضحة وشاملة عن المشروعات التنموية التي يتم تنفيذها، وتزك المواطن فريسة للإعلام المضاد ومنصات الفتنة، ما يؤدي إلى حدوث فجوة في التواصل بين الدولة والمواطنين، ويفتح الباب أمام الإعلام الأجنبي ليكون المصدر الأساسي لنقل الصورة، استمرار الاعتماد المتزايد على وسائل الإعلام الأجنبية لنقل الأخبار والتصريحات الرسمية يضع الإعلام المصري أمام تحدٍ وجودي خطير. فبدلًا من أن يكون المصدر الأول والموثوق للمعلومات، أصبح مجرد ناقل ثانوي لما تبثه وكالات الأنباء الدولية.

يُفترض أن الإعلام المحلي هو الأكثر قدرة على نقل الحقائق وتفسير سياق القضايا الوطنية، وهو الأكثر دراية باحتياجات المواطنين. إلا أن غياب المهنية، والجمود التحريري، وعدم وضوح الرؤية الإعلامية، جعل الجمهور يتجه إلى بدائل أخرى بحثًا عن تحليل أكثر عمقًا ومعلومات أكثر دقة، استعادة المصداقية عبر تبني خطاب متوازن يعكس آراء متعددة ويعتمد على المعلومات الدقيقة والشفافية، تعزيز التغطية الاستقصائية من خلال التركيز على القضايا الهامة بدلاً من الاعتماد فقط على البيانات الرسمية، التفاعل السريع مع الأحداث لضمان عدم ترك المجال لوسائل الإعلام الأجنبية لنقل الأخبار المصرية أولًا، إعطاء مساحة أكبر للرأي والرأي الآخر، لخلق بيئة إعلامية تجذب المواطن وتعزز من ثقته بوسائل الإعلام المحلية، دعم حرية الصحافة بحيث يتمكن الصحفيون من أداء عملهم بحرية دون قيود تقلل من جودة المحتوى الإعلامي، تحسين المحتوى الإعلامي عبر تبني أساليب صحفية حديثة تُركز على التفاعل مع الجمهور وتقديم تقارير وتحليلات معمقة.

يمتلك الإعلام المصري إرثًا عريقًا وخبرة طويلة في العمل الصحفي، لكن التحديات التي يواجهها اليوم تتطلب مراجعة شاملة لدوره وأساليبه، استمرار الاتجاه الحالي، حيث تصبح الصحف والقنوات الأجنبية المصدر الأول للأخبار المصرية، سيؤدي إلى مزيد من فقدان التأثير والعزوف الجماهيري.

الحل يبدأ من الداخل، عبر إصلاحات جوهرية تُعيد للإعلام المصري مكانته كمنبر رئيسي للمعلومات والتحليل، سواء للجمهور المحلي أو للمجتمع الدولي، بحيث يصبح مصدرًا أساسيًا للأخبار والتقارير الموثوقة التي تلبّي احتياجات المواطنين وتعكس حقيقة الأوضاع في البلاد.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً