في زمن العلاقات السريعة وسوء الفهم المتكرر، لم يعد فشل الروابط الإنسانية مرتبطًا بقلة الحب، بل بغياب الوعي الاجتماعي والقدرة على المشاركة الحقيقية التي تجعل العلاقة مساحة آمنة للطرفين.
أكتر حاجة بكرهها في حياتي الغباء، ليس الغباء بمعناه التقليدي أو قلة الذكاء، بل ما يمكن تسميته بالغباء الاجتماعي، ذلك النوع المرتبط بغياب الوعي وخلل أساليب التعامل.
أكتر أشكال الغباء انتشارًا هو أن يتعامل الإنسان من منظوره هو فقط، فيرى العالم بعينيه وحدهما، دون أي اعتبار لاحتياجات الطرف الآخر، فيتحول السلوك إلى أنانية مفرطة، رغم أن الحياة في أصلها قائمة على المشاركة.
المشاركة في التفاصيل تصنع الفارق الحقيقي في وجود شخص داعم، ومن هنا تأتي قيمة الصديق قبل الحبيب، لأن الصداقة في جوهرها فهم ومساحة أمان قبل أي مشاعر أخرى.
ومن الغباء أيضًا أن يعتقد الإنسان أنه ضامن من معه، فلا شيء في هذه الحياة مضمون، ولا وجود شخص في حياتنا حق مكتسب، فالأصدقاء يختارون البقاء دون ضمانات.
ولهذا تستمر الصداقات، لأنها بلا شروط قهرية، نعم هناك معايير وحدود، لكن لا يوجد إجبار على الاستمرار.
نختار الصديق لأننا مرتاحون معه، ولأن بيننا تواصلًا حقيقيًا، ولأننا نعرف أن تجاوز الحدود قد يعني الرحيل، فالصديق ليس مجبرًا على البقاء تحت أي ظرف.
نستمر مع أصدقائنا ونحن نعرف عيوبهم، متكيفون معها، قابلون لها، دون محاكمات قاسية، لأننا اخترناهم كما هم، لا كما نريدهم أن يكونوا.
أقصى ما يمكن فعله هو التنبيه مرة واحدة بأن تصرفًا ما يزعجنا، مع طلب واضح بعدم تكراره، وحتى إن تكرر، تظل مساحة الفهم قائمة طالما هناك احترام متبادل.
وتقول المقولة الشهيرة «صاحبك على عيبه»، أي أن تأخذه كاملًا، بحزمه كله، دون انتقاء أو شروط إضافية.
ورغم ذلك، تستمر الصداقة لسنوات طويلة، ليس لأننا بلا أخطاء، بل لأننا نحسن التواصل ونعرف كيف نستمع لبعضنا البعض.
اهتمامات متقاربة، وقدرة على الاستماع، ودعم متبادل في الأزمات، ومشاركة في الفرح قبل الحزن، كلها عناصر تحافظ على العلاقة حيّة ومتزنة.
ولا نستهين بمشاعر بعضنا البعض، فما يراه أحدنا كبيرًا نتعامل معه على أنه كبير فعلًا، دون تقليل أو استخفاف أو محاولة كسر الإحساس.
وهنا يبرز السؤال: إذا كانت العلاقات بهذه البساطة في جوهرها، فلماذا نُصرّ على تعقيدها بهذا الشكل؟
ولماذا لا تكون العلاقات بين الرجل والمرأة إنسانية أولًا، تقوم على الفهم والمشاركة، بدل اختزالها في العاطفة فقط؟
فالحب وحده لا يكفي لارتباط شخصين، فالحب شعور جميل، لكن الاستمرار الحقيقي يحتاج مشاركة واعية، وتفاصيل يومية، ودعمًا صادقًا في الأوقات الصعبة.
وحين يجتمع كل ذلك داخل إحساس صادق بالحب، تصبح العلاقة أكثر نضجًا، وعندها فقط تنجح المعادلة.